news-details
مقالات

حين يصبح الصبر وطنا لايشبهنا بقلم / ناني عادل " جريده الأضواء المصريه "

حين يصبح الصبر وطنا لا يشبهنا

بقلم/ناني عادل 

كانت امرأة اخرى تشبه كثيرات لا يعرفهن احد عاشت حياتها وهي تظن ان الصبر فضيلة مطلقة وان التحمل علامة قوة وان الاستمرار مهما كان الثمن هو الدليل الاوضح على الاخلاص دخلت الحياة بقلب نقي لا يعرف الحساب ولا يجيد الدفاع عن النفس كانت ترى ان الحب فعل يومي صامت وان التضحية لا تحتاج الى تصفيق كانت تعطي لان العطاء طبيعتها لا لانها تنتظر مقابلا
كبرت وهي تتعلم ان تكون الظهر الذي يتكئ عليه الجميع وان تكون اليد التي تمتد عند الحاجة وان تكون القلب الذي يتسع لكل شيء الا نفسه كانت تؤجل وجعها وتضعه جانبا وتقول لاحقا سارت سنواتها وهي تؤمن ان التعب سيمر وان العدالة ستأتي وحدها وان الله لا يضيع قلبا صادقا
لكن الوقت مر والصبر طال وتحول من فضيلة الى حمل ثقيل ومن قوة الى عادة ومن اختيار الى قدر مفروض صارت تتحمل ليس لانها قادرة بل لانها لم تتعلم كيف تتوقف ولم تجد من يقول لها كفاك
كانت ترى نفسها تذوب ببطء ولا احد يلاحظ كانت تبتسم في الخارج بينما في الداخل كانت تتفكك قطعة قطعة لم تكن تطلب المستحيل كانت تطلب فقط ان ترى ان يسمع صوتها ان تشعر انها موجودة لا مؤجلة ولا منسية
مرت بها لحظات كثيرة شعرت فيها ان الحياة تسير وهي واقفة وان الجميع يتغيرون الا وجعها كان ثابتا كانت تشاهد الاحلام وهي تنسحب بهدوء من قلبها واحدا تلو الاخر دون صراخ دون مشهد وداعي مؤلم فقط فراغ يتسع
لم تكن ضعيفة لكنها كانت طيبة اكثر مما يجب ولم تكن غافلة لكنها كانت تمنح الثقة حتى لمن لا يستحق ولم تكن ساذجة لكنها كانت تفضل حسن الظن على الحذر وكانت تدفع الثمن وحدها
ومع كل خيبة كانت تقول ربما المرة القادمة ستكون افضل ومع كل تجاهل كانت تجد عذرا ومع كل كسر كانت تعيد ترميم نفسها بصمت حتى تعبت من الترميم وحتى صار التعب جزءا من شخصيتها
في لحظة هادئة جدا بلا مقدمات فهمت شيئا غاب عنها طويلا فهمت ان الصبر حين لا يرافقه عدل يتحول الى استنزاف وان العطاء حين لا يقابله تقدير يصبح استغلالا وان الحب حين لا يحمي صاحبه يصبح طريقا للفقد
فهمت ان الله لم يخلق القلوب لتكون ساحات حرب ولا الارواح لتكون مخازن وجع ولا الانسان ليعيش عمره كله وهو يبرر غياب الاخرين فهمت ان الرحمة بالنفس ليست انانية وان التوقف ليس هزيمة وان الانسحاب احيانا هو اعلى درجات الشجاعة
هذه ليست قصة تمرد ولا قصة انتصار صاخب هذه قصة وعي بطيء قصة انسانة قررت اخيرا ان تنظر الى نفسها بعين الرحمة لا بعين اللوم وان تعترف انها تعبت وان التعب ليس عيبا
ربما لم يتغير العالم من حولها وربما لم يصفق احد لقرارها وربما بقيت الطريق طويلة لكنها اخيرا لم تعد تخون نفسها ولم تعد تساكن الوجع باسم الصبر ولم تعد تعتبر الالم قدرا لا يناقش
وهكذا يبدأ الشفاء الحقيقي لا حين يتغير الاخرون بل حين نختار نحن ان لا نبقى حيث ننكسر وان لا نسمي الوجع صبرا ولا نسمي الغياب حبا ولا نسمي الخسارة نصيبا بل نسمي الاشياء باسمها ونمضي اخف واقرب لانفسنا ولو لاول مرة

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا