حين تُدار الحروب بالعقيدة لا بالسلاح ..الوجه الخفي لـلدين الإبراهيمي
حين تُدار الحروب بالعقيدة لا بالسلاح ..الوجه الخفي لـلدين الإبراهيمي
بقلم د . هاني المصري
------------------------------
أخطر الحروب هي تلك التي لا تُسمع فيها طلقات الرصاص، ولا تُرى فيها الدبابات، بل تُدار في العقول قبل الأرض. تحت لافتة «الدين الإبراهيمي الجديد»، يُعاد رسم الشرق الأوسط بهدوء قاتل، حيث تُمحى الفواصل بين الأديان، وتُفرغ العقائد من مضمونها، وتُعاد صياغة الصراع التاريخي ليصبح مجرد سوء تفاهم، بينما تُمرَّر أخطر الوقائع السياسية في وضح النهار دون مقاومة.
هذا الطرح لم يظهر بمعزل عن السياق، بل تزامن بدقة لافتة مع موجة التطبيع، وصفقة القرن، ومحاولات تثبيت القدس كعاصمة أبدية لدولة الكيان الصهيوني، وكأن المطلوب ليس فقط إنهاء الصراع سياسيًا، بل اقتلاعه من جذوره الدينية والتاريخية والوجدانية. فالقدس في هذا الخطاب الجديد لم تعد مدينة محتلة ولا رمزًا عقائديًا، بل «عاصمة روحية مشتركة»، يتم تفريغها من معناها وتحويلها إلى مساحة رمزية بلا سيادة وبلا حق وبلا قضية.
الخدعة الكبرى في «الدين الإبراهيمي الجديد» أنه يُقدَّم بوصفه مشروع سلام وتسامح، بينما جوهره الحقيقي هو إذابة الفوارق العقدية بين الأديان السماوية، وتحويلها من منظومات إيمانية مكتملة إلى سرديات ثقافية عامة قابلة للتأويل السياسي. هنا لا يعود الإسلام إسلامًا، ولا المسيحية مسيحية، ولا اليهودية يهودية، بل مزيجًا هجينًا منزوع الأحكام والمرجعيات، صالحًا ليكون غطاءً أيديولوجيًا لوقائع سياسية مفروضة.
بهذه الآلية، لم تعد فلسطين قضية احتلال، بل «خلافًا تاريخيًا»، ولم يعد الحق الديني عنصرًا حاسمًا، بل عائقًا يجب تفكيكه. وهكذا نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق ما عجزت عنه الحروب: إعادة ترسيم الشرق الأوسط دون إطلاق رصاصة واحدة، ليس عبر القوة العسكرية، بل عبر القوة الناعمة، وإعادة تعريف المقدس، وتحييد الدين بوصفه محركًا للمقاومة والرفض.
إن أخطر ما في هذا المشروع ليس ما يقوله صراحة، بل ما يُخفيه ضمنيًا، إذ يسعى إلى محو البعد الديني للصراع، لا احترام الأديان، وإلى تفريغ الهوية لا حمايتها، وإلى تحويل الشعوب من أصحاب قضية إلى أطراف في «سوء تفاهم» يمكن تسويته على طاولة تفاوض. وبهذا المعنى، فإن «صفقة القرن» لم تكن مجرد وثيقة سياسية، بل كانت رأس جبل جليد لمشروع أوسع يهدف إلى إنتاج شرق أوسط جديد، منزوع العقيدة، هش الذاكرة، سهل التطويع.
القضية هنا ليست رفض التعايش ولا الحوار بين الأديان، فهذه قيم إنسانية أصيلة، بل رفض استخدام هذه القيم كحصان طروادة لتمرير الاحتلال، وتبييض الهيمنة، وإعادة كتابة التاريخ. فحين يُعاد تعريف الدين وفق مصالح القوة، تُمحى القضايا، وتُصادَر الذاكرة، ويصبح المقدس مجرد أداة تفاوض.
القضية ليست في مصطلح جديد، بل في ما يُراد تمريره من خلاله. فالدين الذي يُعاد تشكيله ليناسب أهداف القوة، ليس دينًا، والسلام الذي يقوم على طمس الحق، ليس سلامًا. وبينما يُطلب من الشعوب أن تنسى، وتسامح، وتتنازل باسم التعايش، يبقى السؤال معلقًا: أي شرق أوسط هذا الذي يُبنى على أنقاض العقيدة، وتحت ظل احتلال يُعاد تسويقه بلغة ناعمة؟
التعليقات الأخيرة