news-details
مقالات

عباقرة من خارج القاعات سلسلة مقالات

بقلم: الأديب د. كامل عبد القوى النحاس

3- الرافعي: البلاغة قضية وجود

اللغة عند مصطفى صادق الرافعي ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي روح الأمة وهويتها. فهي الوسيلة التي تُبني بها الأفكار، وتُحمي بها الأمة من الانحدار الفكري والثقافي.

 لذلك يقول في أسرار البيان:

"من يفرط في البلاغة يفرط في العقل، ومن يضعف الكلمة يضعف الأمة كلها."

فالبلاغة عنده ليست ترفًا، بل مسؤولية تاريخية:

 ضعف اللغة يؤدي إلى ضعف الفكر، وضعف الفكر يهدد هوية الأمة ومستقبلها.

اللغة حصن للهوية

الرافعي كان يرى أن الحضارات لا تُبنى بالقوة وحدها، بل بالكلمة التي تمنح الفعل معنى.

 والجملة البليغة ليست مجرد زخرفة، بل تنشئ العقل وتؤثر في القلب وتربي الذوق.

 كما كتب في تاريخ آداب العرب:

"لقد كتبت هذا الكتاب لأستعيد للقارئ مجد اللغة وبلاغتها، ولأبيّن أن كل محاولة لتبسيط النصوص الأدبية دون فهم عمقها تهدم الذوق والفكر."

وكان يحذر من العامية في النصوص الرسمية والأدبية، لأنها تضعف النص وهويته،

 كما كتب في أسرار البيان:

"إن تسطيح اللغة هو بداية انهيار الذوق والفكر، والابتعاد عن جمال البيان يؤدي إلى فقدان الهوية."

فالعامية مقبولة في الحياة اليومية، لكنها غير مناسبة للنصوص الأدبية أو العلمية لأنها تضعف عمق المعنى وقوة التعبير.

البلاغة والقرآن

آمن الرافعي أن القرآن الكريم هو أسمى مثال للغة العربية وقوة البيان. فالبلاغة فيه ليست مجرد زينة، بل قلب المعنى الذي يعطي النص تأثيره في القلوب.

"البلاغة جزء لا يتجزأ من المعنى، وأي اختزال يفقد النص روحه."

 (إعجاز القرآن والبلاغة النبوية)

"الحفاظ على لغة الوحي هو الحفاظ على قوة أثره في القلوب، وكل تسطيح للغة القرآن يسلبه روحه." (تحت راية القرآن)

أمثلة واضحة:

﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ [الإسراء: 88]

تركيب الجملة يعكس عظمة المعنى ويجعل القارئ يشعر بقوة النص.

﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق: 11]

اختيار الكلمات يعطي إيقاعًا موسيقيًا يساعد على التأمل في الكون وعجائبه.

﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: 93]

جملة قصيرة تنقل شعور الغطرسة والتحدي، وتظهر كيف أن البلاغة جزء من المعنى نفسه.

بهذه الأمثلة، يظهر كيف أن البلاغة ليست مجرد زخرفة لفظية، بل جزء من قوة النص وعمقه النفسي.

مواجهة التبسيط

في زمن ارتفعت فيه أصوات "التيسير" و"التبسيط" و"الكتابة بلغة الجمهور"،

 وقف الرافعي صامدًا ضد أي اختزال يضعف المعنى. فهو يرى أن الأمة التي تفكر بلغة رخوة لا تستطيع إنتاج فكر صلب أو وعي صحيح، وأن حماية اللغة هي حماية للعقل والهوية معًا.

الدروس المستفادة

من تجربة الرافعي نستلهم:

اللغة ليست حيادية؛

 إما أن تبني العقل أو تفرغه.

البلاغة أداة لتشكيل الوعي والفكر، 

وليست مجرد زينة.

الحفاظ على لغة القرآن يحافظ على قوة الرسالة وأثرها في النفوس.

من يحمي اللغة يحمي الأمة والهوية الثقافية والاجتماعية.

خاتمة

الرافعي يثبت أن العبقرية لا تُصنع بالقاعات، بل بالمواقف الفكرية الواضحة والإيمان برسالة الكلمة.

 من يدافع عن اللغة، يدافع عن هويته وأمته، وتتحول البلاغة عنده من فن إلى قضية وجود.

 كل نص صاغه بدقة وبلاغة، يبقى شهادة على قوة الكلمة وقدرتها على البقاء والتأثير.

تمهيد للمقال القادم:

 الرافعي وطه حسين

بعد معركة البلاغة واللغة، يخوض الرافعي مواجهة جديدة: المنهج والرؤية النقدية. سنتعرف على موقفه من منهج طه حسين في الشك والتحقيق التاريخي، وكيف دافع عن المعنى دون أن يغلق باب العقل، محافظًا على ثوابت الهوية.

 

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا