غرينلاند . رمزاً لصراع النفوذ والحلم المؤجل للهيمنة العالمية
بقلم . أزهار عبد الكريم
في خطوة بدت غريبة في ظاهرها لكنها عميقة في دلالاتها أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رغبته في شراء جزيرة غرينلاند التابعة لمملكة الدنمارك. ولم تكن هذه المرة الأولى فقد عرض هذه الفكرة سابقآ أثناء ولايته الأولى عام 2019 ورغم الرفض الأوروبي القاطع فإن هذا الاقتراح لم يكن مجرد نزوة بل يعكس تحولاً استراتيجياً في رؤية واشنطن للهيمنة العالمية في مواجهة التنين الصيني والدب الروسي.
ترامب يتعامل كرجل أعمال ويري العالم على أنه سوق مفتوح ففكر فى شراء الجزيرة كما تشترى الشركات أو الأصول بهدف حيازة الثروات والتحكم فى طرق التجارة . وأيضاً محاصرة بكين وموسكو.
فموقع غرينلاند استراتيجي و فريد ومتميز وهي أكبر جزيرة في العالم تقع بين أمريكا الشمالية وأوروبا وتطل على ممرات القطب الشمالي و تعد نقطة مراقبة وتحكم حيوية خاصة مع وجود . قاعدة ثال الجوية الأمريكية . التي تستخدم في الإنذار المبكر ورصد الصواريخ.
حيث تحتوي غرينلاند على ثروات باطنية هائلة متمثلة في مخزون كبير من المعادن النادرة والنفط، والغاز، مما يجعلها هدفاً اقتصادياً وجيواستراتيجياً في ظل التنافس العالمي على الموارد البديلة.
فمع التغير المناخي وذوبان الجليد الذى فتح المجال لاستخدام الممرات البحرية القطبية ما سيجعل غرينلاند طريق تجارى جديد و بوابة بحرية دولية خلال السنوات المقبلة.
ترامب أراد تقوية موقع أمريكا الجغرافي وتوسيع نطاق سيطرتها دون اللجوء إلى الحروب مستفيداً من موقع غرينلاند لجعلها قلعة أمريكية متقدمة في مواجهة روسيا والصين.
الصين تعزز من تواجدها وتحاول الاستثمار في البنية التحتية بغرينلاند مما أثار قلق واشنطن.
فى الوقت نفسه كثفت روسيا نشاطها العسكري في القطب الشمالي وتوسعت في قواعدها هناك.
ترامب أراد غرينلاند كدرع استباقي ضد هذا التمدد الصيني والروسي فى إطار استراتيجيته لـ أمريكا أولاً
على الجانب الآخر كان هناك رفض دنماركي قاطع . فقد رأت كوبنهاغن أن العرض الأمريكي سخيف وغير قابل للنقاش وتم إلغاء زيارة رسمية كانت مقررة لترامب . فغرينلاند تتمتع بحكم ذاتي لكنها لا تزال ضمن مملكة الدنمارك ولا يمكن التصرف بها كسلعة.
ترامب أراد استخدام حلف الناتو كأداة تخدم المصالح الأمريكية، وليس كشراكة جماعية. لكن الحلف لم يتبنى موقفه ورفض هذا المقترح الأمر الذى كشف عن انقسامات داخلية.
ورد الفعل الأوروبي كان داعماً لموقف كوبنهاغن باعتبار أن أي مساس بسيادة دولة عضو في الناتو يعد خطراً على وحدة الحلف.
الناتو من جانبه لا يمتلك سلطة إجبار الدول الأعضاء على بيع أراضه لكنه يسعى للحفاظ على استقرار أعضائه خاصة في ظل التهديدات الاستراتيجية المشتركة.
ترامب راهن على المال والصفقات لفرض السيطرة بعكس رؤساء سابقين استخدموا الحروب المباشرة.
غرينلاند كانت حلماً جيواقتصادياً لا مجرد أرض جديدة.
ولكن الحلم تحطم أمام السيادة الأوروبية وقيم التحالفات فرغبة ترامب في غرينلاند لم تكن معزولة عن مشروع عالمي أوسع لإعادة بناء النظام الدولي بقيادة أمريكية منفردة. فالصراع الآن لم يعد فقط على الأسلحة أو الحدود بل على الثروات والمواقع الاستراتيجية والطرق البحرية.
في عالم متغير ستبقى غرينلاند رمزاً لصراع النفوذ بين القوى الكبرى، ومؤشراً على شكل الحروب القادمة اقتصادية باردة وناعمه لكنها لا تقل شراسة عن الحروب الدامية.
التعليقات الأخيرة