في أقصى الغرب حيث يدار العالم بلهجة مهذبة ويدٍ ملطخة حتى المرفق تقف بريطانيا متكئة على تاريخها كما يتكئ القاتل العجوز على عصاه، لا لتتوب بل لتتأكد أن أحدًا لن يحاسبه.
كتب / حسن حنظل الناصر
بريطانيا ليست أم الديمقراطية كما يُقال في كتب المدارس،بل أم النفاق السياسي الحديث، أول من اكتشف أن السلطة لا تحتاج أن تكون فظة كي تكون قاتلة، وأن الاستعمار لا يحتاج أن يلبس الزي العسكري إذا استطاع أن يرتدي بذلة قانونية ويتحدث عن القيم
هذه الدولة التي علّمت العالم معنى الدستور هي نفسها التي علّمته كيف يفرغ. الدستور من مضمونه حين يكون العدل مكلفًا، وكيف تتحول الأخلاق إلى لغة علاقات عامة لا إلى التزام.
خمسة عشر كيانًا يُقال إنها دول مستقلة، تتشارك ملكا واحدا لا لأنه يحكمها بل لأنه يذكّرها من أين جاءت.
تشارلز الثالث، الملك الذي لا يملك، ليس انتصارا للديمقراطية بقدر ما هو ذروة الحيلة البريطانية.
تاج بلا سلطة، لكنه محمّل بتاريخ إمبراطوري لم يُغلق ملفه بعد.
هذا الملك لا يوقّع قانونًا ولا يعين وزيرا لكن وجوده يربط هذه الدول بسردية واحدة تقول نحن أبناء النظام المنتصر،نحن ورثة العالم الذي أُعيد تقسيمه على طاولات لندن.
كندا وأستراليا ونيوزيلندا ليست نماذج أخلاقية بل نماذج ناجحة لأن الجريمة وقعت بعيدًا عنها، ولأن الشعوب الأصلية دُفنت تحت الخرائط ولأن الدم صُفّي مبكرًا، قبل أن يصبح عبئًا سياسيا
الملكية هناك ليست تواضعا بل ذكاءً باردا
الرمز يُستخدم كصمام أمان كفزاعة ناعمة، كحائط صدّ نفسي.
إذا فشل السياسيون، فالملك بريء.
إذا غضب الشارع، فالملك فوق الصراع.
هكذا تُدار الديمقراطية الغربية
لا بإلغاء السلطة، بل بتشتيتها، لا بقتل الزعيم، بل بتحويله إلى ديكور. إنها ديمقراطية لا تقدس الأشخاص لكنها لا تتردد في تقديس مصالحها
ثم تأتي أمريكا، هذا الوحش الجمهوري الذي وُلد من رحم التمرّد، ثم اكتشف متأخرا أن الإمبراطورية أسهل من الثورة. أمريكا ليست نقيض بريطانيا، بل نسختها العارية
بريطانيا تفكر وتُقنِع وتشرعن وأمريكا تنفذ وترعب وتفرض. علاقة ليست تحالفًا بل تقسيم أدوار
واحدة تكتب خطاب النظام الدولي القائم على القواعد”،والأخرى تكسر هذه القواعد متى أصبحت عبئًا. وحين تُسأل عن الجرائم، تشير كل واحدة إلى الأخرى، كما يفعل شريكان محترفان في عصابة عالمية …
…..
التعليقات الأخيرة