news-details
مقالات

مركزية القرآن في فهم النفس الإنسانية والحياة نحو تأسيس علم نفس قرآني يعيد للإنسان توازنه ومعناه دكتور : سمير شعبان " جريده الأضواء المصريه "

مركزية القرآن في فهم النفس الإنسانية والحياة
نحو تأسيس علم نفس قرآني يعيد للإنسان توازنه ومعناه

دكتور  : سمير شعبان


مقدمة: لماذا فشل علم النفس الحديث في إسعاد الإنسان؟
رغم التقدّم الهائل في علوم النفس والسلوك، ورغم كثرة المدارس العلاجية وتنوّعها، فإن الإنسان المعاصر يبدو أكثر قلقًا، واكتئابًا، واضطرابًا من أي وقت مضى. هذا التناقض يكشف أن الأزمة ليست في نقص الأدوات العلاجية، بل في خلل التصور الكلي للإنسان.
لقد تعامل علم النفس الحديث مع الإنسان بوصفه:
كائنًا بيولوجيًا محضًا
أو منظومة سلوكية قابلة للبرمجة
أو وعاءً لصراعات لاواعية
وفي كل هذه التصورات، غاب الإنسان بوصفه كائنًا ذا معنى ورسالة. ومن هنا تبرز مركزية القرآن، لا كمصدر وعظي، بل كـ مرجعية معرفية تؤسس لفهم النفس الإنسانية من جذورها.
أولًا: الإنسان في علم النفس الحديث – كائن بلا روح
نشأ علم النفس الحديث في سياق فلسفي مادي، فحُذفت الروح من المعادلة، أو أُقصيت بوصفها مفهومًا غير علمي. ونتج عن ذلك ثلاث اختزالات كبرى:
الاختزال البيولوجي:
حيث تُردّ المشاعر والمعاناة إلى كيمياء الدماغ فقط.
الاختزال السلوكي:
حيث يُفهم الإنسان بوصفه استجابة لمثيرات، دون اعتبار للداخل القيمي.
الاختزال التحليلي:
حيث تُختزل النفس في صراعات لاواعية ذات طابع غرائزي.
ورغم ما قدّمته هذه المدارس من فوائد جزئية، إلا أنها عجزت عن الإجابة عن السؤال الجوهري:
لماذا يعيش الإنسان؟ ولماذا يتألّم؟
ثانيًا: القرآن وإعادة تعريف النفس الإنسانية
يقدّم القرآن تعريفًا جذريًا للنفس، يختلف عن كل النماذج الوضعية، إذ لا يفصل الإنسان إلى أجزاء متصارعة، بل يقدّمه ككيان متكامل:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾
فالنفس في القرآن:
مخلوقة بتسوية وإحكام
مهيّأة لمعرفة الخير
قابلة للانحراف والارتقاء
وهذا التوازن يضع أساسًا علميًا وإنسانيًا لفهم الاضطراب النفسي دون شيطنة الإنسان أو تبرير انحرافه.
ثالثًا: الفطرة – الأساس النفسي في الرؤية القرآنية
الفطرة في القرآن ليست مفهومًا وعظيًا، بل بنية نفسية أصيلة:
﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾
الفطرة تعني:
الاستعداد لمعرفة الحق
الميل إلى الطمأنينة
النفور من الظلم والعبث
وعليه، فإن الاضطراب النفسي في كثير من صوره هو صراع بين الفطرة والتشويه، لا مجرد خلل كيميائي.
رابعًا: مراتب النفس في القرآن – تشريح نفسي بالغ الدقة
يقدّم القرآن تصنيفًا نفسيًا فريدًا لا نجده في أي مدرسة أخرى:
1. النفس الأمّارة بالسوء
وهي النفس المنفلتة من الضابط القيمي، الخاضعة للهوى.
2. النفس اللوّامة
وهي النفس الحيّة، التي تعاني الصراع، وتشعر بالذنب، وتلوم ذاتها.
3. النفس المطمئنة
وهي النفس المتوازنة، المستقرة، المتصالحة مع الله ومع ذاتها.
هذا التصنيف لا يصف حالات مرضية فقط، بل مراحل نمو نفسي وأخلاقي، وهو ما يغيب عن أغلب المدارس الحديثة.
خامسًا: القلق والاكتئاب في الميزان القرآني
ينظر القرآن إلى القلق لا بوصفه عرضًا عشوائيًا، بل علامة فقدان اتزان داخلي:
﴿وَمَن أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾
فالضنك ليس فقرًا ماديًا، بل ضيق نفسي وجودي.
الاكتئاب في الرؤية القرآنية غالبًا ما يرتبط بـ:
فقدان المعنى
الشعور باللاجدوى
الانقطاع عن مصدر الطمأنينة
ومن هنا فإن العلاج لا يكون فقط بتعديل الأفكار، بل بإعادة وصل النفس بمصدرها.
سادسًا: الذكر والتزكية – العلاج القرآني العميق
يقدّم القرآن مفهوم التزكية بوصفه علاجًا نفسيًا شاملًا:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾
والتزكية تشمل:
تطهير التصور
تهذيب السلوك
ترميم العلاقة بالله
أما الذكر، فهو ليس ترديدًا آليًا، بل حضور قلبي يعيد للنفس اتزانها:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
وهنا يختلف القرآن جذريًا عن العلاجات التسكينية المؤقتة.
سابعًا: الألم النفسي – من لعنة إلى رسالة
لا ينظر القرآن إلى الألم النفسي بوصفه شرًا محضًا، بل بوصفه:
تنبيهًا
اختبارًا
بابًا للنضج
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْحُزْنِ﴾
فالألم في الرؤية القرآنية قد يكون طريقًا لإعادة بناء النفس، لا مجرد خلل يجب إسكاته.
ثامنًا: مقارنة بين العلاج القرآني والمدارس النفسية
علم النفس الحديث
العنصر
الرؤية القرآنية
الإنسان
كائن مادي
كائن مكرّم ذو رسالة
المشكلة
خلل وظيفي
اختلال معنى واتجاه
العلاج
تقنيات
تزكية ومعنى
الغاية
التكيّف
الطمأنينة والفلاح
تاسعًا: الواقع المعاصر – لماذا تتفاقم الاضطرابات؟
تسارع الحياة
غياب اليقين
تفكك الأسرة
الاستهلاك كبديل للمعنى
وكلها أعراض لغياب المرجعية القرآنية عن بناء النفس.
خاتمة: نحو علم نفس قرآني متكامل
إن مركزية القرآن في علم النفس لا تعني رفض المنجز العلمي، بل إعادة توجيهه. فالقرآن لا يلغي العلاج، بل يمنحه عمقه الإنساني. ولا يختزل النفس، بل يحررها من التيه.
وحين تُفصل النفس عن ربها، تُترك وحيدة في مواجهة الكون.
أما حين تعود إلى القرآن، فإنها تجد السكينة، والاتزان، والمعنى.
✦  ????

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا