news-details
مقالات

حين يصبح الحوار عبئًا لا خلاصًا بقلم: محمود سعيدبرغش " جريده الأضواء المصريه "

حين يصبح الحوار عبئًا لا خلاصًا

بقلم: محمود سعيدبرغش

في زمنٍ يُفترض أن يكون الحوار فيه أداة للفهم والتقارب، بات عند كثيرين سلاحًا للاتهام، وساحةً لإثبات الغلبة لا لإظهار الحقيقة. نُطالَب بالكلام مرارًا، وبالشرح، وبالدفاع عن نوايانا، وكأن الصمت ذنب، بينما الحقيقة التي يغفلها البعض أن الحوار لا يكون قيمة إنسانية إلا إذا استند إلى نية الفهم لا رغبة الانتصار.

لقد علّمتنا التجربة أن بعض القضايا لا تبقى عالقة لأننا صمتنا، بل لأن الطرف الآخر لا يريد حلًّا من الأساس، ولا يرى فيك إنسانًا، بل خصمًا يجب كسره أو إدانته.

جعل الإسلام الحوار وسيلة للهداية والبناء لا للهدم والخصومة، فقال الله تعالى:

﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
[النحل: 125]

 ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
[العنكبوت: 46]

فالقرآن لم يأمر بالجدال مطلقًا، بل قيّده بالحكمة، فإن غابت، سقط الجدل، وتحول إلى أذى نفسي ومعنوي.


قال رسول الله ﷺ: «أنا زعيم ببيتٍ في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا» – رواه أبو داود.


وقال ﷺ: «ما ضلَّ قومٌ بعد هُدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل» – رواه الترمذي.

وهنا يضعنا النبي ﷺ أمام حقيقة واضحة: ليس كل حوار هداية، وليس كل جدال خيرًا، بل إن الإصرار على الجدل قد يكون بابًا للضلال لا للإصلاح.


قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

«إيّاك والمراء، فإنه يورث الضغائن ويُفسد الإخاء.»


وقال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

 «لا تُجادل الأحمق، فيُخطئ الناس في التفريق بينكما.»

وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول:

 «الصدق طمأنينة، والكذب ريبة.»

فالصحابة فهموا أن قيمة الإنسان لا تُثبت بالصوت العالي، ولا بطول الجدل، بل بالصدق، والحكمة، وحفظ الكرامة.


قال الإمام الشافعي رحمه الله: «ما ناظرت أحدًا إلا وتمنيت أن يُجري الله الحق على لسانه.»


وقال الإمام مالك رحمه الله: «المراء في العلم يُذهب بنور العلم من القلب.»

وقال الإمام الغزالي رحمه الله: «الجدل إذا خلا من قصد الهداية صار آفةً للقلب.»

واتفق الفقهاء على أن الجدال إذا أدى إلى الإيذاء، أو الكِبر، أو القطيعة، فهو مذموم شرعًا، وإن كان صاحبه يظن نفسه محقًا.

من منظور علم النفس، يفشل الحوار حين يتحول إلى ساحة دفاع، وتسيطر عليه آليات مثل:

التحيّز الإدراكي. الدفاع عن الأنا. غياب التعاطف.


وفي هذه الحالة، لا يكون الصمت ضعفًا، بل حماية للنفس، وحفظًا للاتزان النفسي، وهو ما يتوافق مع مقاصد الشريعة في حفظ العقل والنفس.


أخطر ما يُفسد العلاقات الإنسانية هو تحويل الإنسان إلى خصم. فالخصومة تُغلق القلوب، أما الاعتراف بإنسانية الآخر فيفتح باب الفهم، حتى مع الاختلاف.

لسنا مطالبين بالاتفاق، لكننا مطالبون بالاحترام. ولسنا مجبرين على الاستمرار في حوارات تُهين كرامتنا باسم الصراحة أو المصارحة. 
متى يكون الصمت موقفًا؟ يكون الصمت موقفًا شرعيًا وإنسانيًا حين: يصبح الحوار أداة للاتهام لا للفهم.

يتحول الكلام إلى استنزاف نفسي. يُطلب منك التنازل عن كرامتك بدعوى الإصلاح.


قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾
[الفرقان: 

لم يعد الخوف من بقاء الأمور دون حل هو المشكلة، بل الخوف من إهدار النفس في حوارات لا ترى فيك إنسانًا، ولا تبحث عن حق، بل عن خصومة.

فاختر حواراتك بوعي، واترك الجدل حين يفقد معناه، فالصمت أحيانًا أصدق من ألف كلمة، وأقرب إلى الحكمة التي دعا إليها الدين، وحفظ بها الإنسان كرامته.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا