ظل لا يمشي وحده
بقلم/مرينا حسن
في عالم تتغير فيه الاشكال بسرعه وتولد فيه الافكار كل يوم وتذوب فيه الصيحات كما يذوب الضوء عند الغروب تظل الموضه ليست مجرد ملابس ولا الوان ولا ماركات بل كيان كامل يعيش معنا دون ان ننتبه له كيان يشبه الظل لكنه لا يمشي وحده بل يمشي معنا ويتحرك معنا ويكبر بصمت ويكتب تاريخنا الذي لا نراه الموضه ليست ما نرتديه امام الناس بل ما نرويه دون كلام هي القصه التي تختبئ في كل قماش وفي كل تفصيل وفي كل خيط وهي السر الذي يحول الانسان من حضور عادي الى وجود يستحيل تجاهله
الناس يظنون ان الموضه تبدا في منصه العرض وتنتهي في خزانة الملابس لكن الحقيقه انها تولد قبل ذلك بكثير تولد في سؤال داخلي ماذا اريد ان اكون اليوم هل اريد ان ابدو هادئا ام قويا ام شجاعا ام مختلفا هل اريد ان اظهر نفسي ام اخفي بعضي هل احتاج ان اغير شكلي كي استعيد نفسي ام احتاج ان احتفظ بما انا عليه كي لا اضيع هذا السؤال هو اللحظه التي تبدأ فيها الموضه الحقيقيه لحظه يتشكل فيها اتجاه النفس قبل اتجاه القماش
الملابس ليست تجميل بل ترجمه ترجمة صريحه لما نشعر به عندما نفتح اعيننا في الصباح ترجمه لما نحمله من ثقل ولما نحمله من احلام فمن يرتدي اللون القاتم ليس بالضروره حزين لكنه ربما يبحث عن ثبات ومن يختار اللون الفاتح لا يبحث عن لفت نظر بل يبحث عن سلام ومن يختار شكل جريء لا يهرب من العالم بل يقترب منه بطريقه مختلفه الموضه هنا لا تدور حول الصوره بل حول النفس التي تصنع الصوره
وهناك جزء لا يراه كثيرون وهو ان الموضه ليست فقط ما نرتديه بل كيف نرتديه هناك من يرتدي اغلى الملابس لكن لا يسكنها وهناك من يرتدي ابسط القماش لكنه يملك حضورا يمس العيون لأن الجاذبيه في الموضه ليست في السعر بل في الطريقه التي يتحرك بها القماش على الجسد في الانسجام بين الخطوة والروح في اللحظه التي يصبح فيها الثوب نسخها صريحه للشخص لا مجرد شيء فوقه كل قطعه ملابس اما ان تكون معك او تكون عليك وهذا هو الفارق بين انسان يرتدي الموضه وانسان تحمله الموضه دون وعي
والتاريخ كله دليل ان الموضه ليست صدفة ولا ترفا بل سلاحا اجتماعيا وثقافيا وسياسيا فهي كانت صوتا لمن لا صوت لهم وكانت رمزا للثورة وكانت جسرا بين الثقافات وكانت درعا يحمي الهويه من الضياع وكانت لغزا يفكك القيود قبل ان يفكك القماش الموضه اقوى مما يظن الناس لأنها ابسط مما يتوقعون هي اختيار يومي صغير يغير شكل الحياه دون ان يرفع صوتا
ومع هذا كله تبقى الموضه لعبه الزمن الزمن هو اللاعب الاول والاخير هو الذي يحدد ماذا يبقى وماذا يذهب ماذا ينسى وماذا يعود ماذا كان وهما وماذا صار هويه الموضه مثل المياه تأخذ شكل اللحظه لكنها لا تفقد جوهرها هي تتغير لتبقى وتتشكل لتستمر وتعود لتؤكد انها ليست شكلا بل حقيقه تعيش داخل الانسان
والانسان الذي يفهم الموضه لا يبحث عن اعجاب بل يبحث عن انسجام لا يبحث عن صوره بل يبحث عن معنى لأنه يعرف ان القماش ليس غطاء بل مرآه وان اللون ليس شكل بل لغه وان الاختيار ليس صدفة بل قرار يحدد طريقة سيره في العالم يعرف ان كل قطعه ملابس هي رساله تقول شيئا للعالم وتقول شيئا أكبر للنفس
تبقى الموضه ظل لا يمشي وحده لأنها تسكننا قبل ان نسكنها وتكشفنا قبل ان نكشفها وتكتب من نحن بدون ان تكتب حرفا واحدا وعندما يقف الانسان امام مرآته في لحظه صدق يعرف ان الموضه ليست عن كيف يراه العالم بل عن كيف يرى هو نفسه وكيف يختار ان يكون في هذا العالم الذي لا يتوقف عن التغيير
التعليقات الأخيرة