الإعلامي الدكتور مجدي كامل الهواري يكتب : ماذا لو انهار سد النهضة الإثيوبي؟
في واحدة من أخطر القضايا الاستراتيجية في القارة الإفريقية، يظل سد النهضة الإثيوبي الكبير مشروعًا هندسيًا ضخمًا تتجاوز أبعاده حدود توليد الكهرباء إلى معادلات الأمن القومي والمائي لدول المصب.
لكن بعيدًا عن الجدل السياسي، يبقى السؤال الأخطر:
* ماذا لو انهار السد فجأة؟
أولا : الصورة الفنية الحالية
السد، بسعة تخزينية تقارب 74 مليار متر مكعب ..
يحتجز خلفه كتلة مائية تعادل تقريبًا حجم فيضان تاريخي ضخم.
وتداولت تحليلات هندسية وصور أقمار صناعية خلال السنوات الأخيرة مؤشرات تتعلق بـ:
شروخ سطحية في بعض أجزاء الخرسانة.
تجويف وهبوط أرضي أمام الممر الأوسط نتيجة اندفاع المياه.
تشغيل محدود للتوربينات مقارنة بالطاقة التصميمية.
لا توجد بيانات رسمية تؤكد وجود خطر انهيار وشيك، لكن حجم المشروع وتعقيده الجيولوجي في منطقة نشطة زلزاليًا يجعل أي خلل – ولو محدودًا – محل اهتمام إقليمي بالغ.
ثانيًا: التحليل الزمني لسيناريو الانهيار ..
إذا افترضنا – نظريًا – انهيارًا كليًا مفاجئًا، فإن موجة مائية هائلة ستندفع عبر مجرى النيل الأزرق.
& المرحلة الأولى: من موقع السد حتى الخرطوم
المسافة التقريبية: 1,000 – 1,200 كم
الزمن المتوقع لوصول الموجة الرئيسية: من 24 إلى 72 ساعة
(بحسب سرعة التدفق وطبيعة التضاريس)
في هذه المرحلة، السودان سيكون المتأثر الأول والأشد خطورة.
& المرحلة الثانية: من الخرطوم حتى الحدود المصرية
المسافة التقريبية: 1,500 كم إضافية
الزمن المتوقع: 3 إلى 5 أيام أخرى
خلال هذه الفترة، ستفقد الموجة جزءًا من طاقتها، لكن حجم المياه سيظل هائلًا.
& المرحلة الثالثة: الوصول إلى بحيرة ناصر ..
هنا يتدخل عامل الحماية الأكبر: السد العالي.
بحيرة ناصر تمتلك سعة تخزينية ضخمة، وقد تم تصميم السد العالي لتحمل فيضانات استثنائية.
لكن وصول كمية مفاجئة تقارب عشرات المليارات من الأمتار المكعبة خلال أيام قليلة سيخلق ضغطًا هيدرولوجيًا غير مسبوق.
ثالثًا: حجم الأضرار المتوقعة بالأرقام التقريبية
* هذه تقديرات نظرية تعتمد على نماذج فيضانية، وليست أرقامًا رسمية.
* السودان
مدن وقرى على مجرى النيل الأزرق قد تتعرض لغمر يتجاوز عدة أمتار.
خسائر محتملة في البنية التحتية (جسور – طرق – منشآت كهرباء).
تضرر مساحات زراعية واسعة.
تقديرات اقتصادية أولية في بعض الدراسات غير الرسمية تشير إلى خسائر قد تصل إلى مليارات الدولارات خلال أيام قليلة.
السودان سيكون الحلقة الأضعف جغرافيًا في هذا السيناريو.
* مصر
بفضل وجود السد العالي:
سيتم امتصاص نسبة كبيرة من الصدمة المائية.
قد يرتفع منسوب بحيرة ناصر بشكل حاد.
قد تضطر الدولة إلى فتح بوابات تصريف طارئة.
اضطرابات مؤقتة في شبكات الري والكهرباء.
الخسائر في مصر ستكون أقل كارثية من السودان، لكنها قد تشمل:
ضغوط تشغيلية هائلة على منظومة إدارة المياه.
خسائر زراعية في بعض المناطق المنخفضة.
تكاليف طوارئ مرتفعة لإدارة الأزمة.
رابعاً : السيناريو الأسوأ… ماذا يعني انهيار كامل؟
لو حدث انهيار شامل دفعة واحدة:
موجة أولى بارتفاع قد يصل إلى عشرات الأمتار قرب موقع السد.
طاقة تدميرية ضخمة في أول مئات الكيلومترات.
تراجع تدريجي في الارتفاع كلما اتجهت شمالًا، لكن دون اختفاء الخطر.
أما الانهيار الجزئي، فسيؤدي إلى موجات متتابعة قد تكون أخطر أحيانًا من الموجة الواحدة.
خامسًا: هل الانهيار وارد هندسيًا؟
السدود الكبرى تُبنى بمعايير أمان عالية جدًا.
لكن عوامل الخطر تشمل:
النشاط الزلزالي في منطقة القرن الإفريقي.
أخطاء التصميم أو التنفيذ إن وجدت.
التشغيل غير المتوازن للتوربينات.
غياب اتفاق ملزم لتبادل البيانات الفورية وقت الطوارئ.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الانهيار…
بل في غياب نظام إنذار مبكر وتنسيق فوري بين دول الحوض.
و فى النهاية الحديث عن انهيار سد النهضة الإثيوبي ليس دعوة للذعر، بل قراءة لأسوأ الاحتمالات في مشروع يحتجز خلفه 74 مليار متر مكعب من المياه.
السودان سيكون في قلب العاصفة.
مصر ستواجه اختبارًا هندسيًا ضخمًا.
وإثيوبيا نفسها ستكون أمام كارثة إنسانية واقتصادية.
ويبقى السؤال الأكبر:
هل تُدار المخاطر بالعلم والشفافية والتعاون؟
أم ننتظر حتى تتكلم المياه… ولا يعود هناك وقت للكلمات؟
التعليقات الأخيرة