رحلة لا يراها أحد ويعيشها صاحبها وحده
بقلم/نشأت البسيوني
في داخل كل إنسان حكاية لا يعرفها أحد مهما قرب منه الناس ومهما ظنوا أنهم فهموا ملامحه أو قرأوا صمته لأن ما يجري داخل الروح أعمق بكثير من أن يروى وما يحدث في قلب الإنسان الحقيقي لا يقال بسهولة ولا يترجم بكلمات عابرة هناك رحلة خفية يعيشها كل واحد منا رحلة لا يسمع خطواتها أحد لكنها تغيّر طريقة مشيه في الحياة كلها
هذه الرحلة تبدأ غالبا حين يتوقف الإنسان أمام نفسه للمرة الأولى ليكتشف أنه لا يشبه ما يراه الناس وأنه يختزن بداخله ما لا يمكن لأحد أن يتخيله من قوة ومن تعب ومن أحلام مؤجلة ومن جروح لا تزال تنبض رغم مرور الزمن هنا يبدأ الإنسان بفهم أنه كان يرتدي وجوها كثيرة ليحافظ على توازنه وأن ما لم يقله للآخرين هو ما صنع صلابته الحقيقة
في هذه الرحلة يكتشف الإنسان أن الصمت ليس هروبا كما يظن البعض بل هو طريقة لفهم ما لا يمكن شرحه وأن الوحدة ليست ضعف بل محطة يعيد فيها ترتيب روحه من جديد وأن بعض الطرق لا يمكن السير فيها إلا وحده لأن القوة التي سيخرج بها في النهاية تحتاج إلى مساحة لا يشاركه فيها أحد
ومع الوقت يبدأ الإنسان يرى الأحداث بطريقة مختلفة يفهم أن هناك مواقف جاءت لتختبره لا لتكسره وأن هناك وجوها رحلت لأنها لم تكن جزءا من الطريق وأن هناك صدمات كانت في ظاهرها أوجاع لكنها في حقيقتها أبواب نحو وعي جديد وراحة أعمق وهنا فقط يعرف أن الرحلة الخفية كانت أعظم مما ظن وأنها صنعته من الداخل دون ضجيج
وفي أعماق هذه الرحلة يدرك الإنسان أن كل ما مر به كان ضروريا حتى اللحظة التي يقف فيها اليوم يدرك أن الصبر لم يكن استسلاما بل كان صراعا صامتا مع اليأس وأن الأمل لم يكن وهما بل كان خيط النجاة الوحيد الذي أبقاه واقفا وأن الخير الذي قدمه للآخرين مهما بدا صغيرا كان يعود إليه بطريقة لا يتوقعها
ثم يكتشف أن الحياة لا تعطي أحدا كل شيء لكنها تعطي كل إنسان ما يحتاجه ليعرف قيمته الحقيقية وأن أجمل ما يكسبه الإنسان خلال رحلته هو نفسه حين تصبح أعمق وأكثر نضجا وأصدق مع ذاتها لأن أعظم انتصار يحققه الإنسان هو أن يصل إلى مرحلة لا يندم فيها على ما فقد ولا يخاف مما سيأتي ولا يخجل مما أصبح عليه
تبقى الرحلة الخفية هي الأساس الذي يبني عليه الإنسان كل شيء بعدها هي الدرس الذي لا ينسى والتجربة التي لا تروى بالكامل لكنها تفهم بالعمر كله لأنها ليست قصة تحكى بل حياة تُعاش بصمت ووعي وثبات
التعليقات الأخيرة