الثوب الذي يسمع قبل ان يراك
بقلم/مرينا حسن
في عالم يمتلئ بالضوضاء تبقى الموضه هي الشيء الوحيد الذي يسمع نبض الانسان قبل ان يراه العالم لأن الملابس لا تتلقى صاحبها كقماش بل تتلقاه كحكاية كاملة تبحث عن شكل يناسبها الثوب ليس مجرد قطعة ترتدى بل مساحة تسمع ما لا يسمعه احد تسمع تعب يوم مر وتسمع رغبة في هدوء وتسمع بحثا عن بداية جديدة حتى قبل ان يلمس الجسد
الانسان لا يختار ما يلبسه بيده بل بروحه الروح التي تتحرك داخل الدولاب قبل ان تفتح عينيها فتبحث عن شكل يشبه حالتها في تلك اللحظة قد تبحث عن لون يطفي غضبا او شكل يوسع تنفسا او خامة تعيد شعورا افتقدته الملابس ليست زينة بل انعكاس غير مرئي لصوت داخلي لا يريد ان يتكلم لكنه يريد ان يظهر بطريقة اخرى
والغريب ان الموضه تتغير اسرع من الوقت لان البشر يتغيرون اسرع مما يظنون والموضه ليست استجابة لمصممين بل استجابة لقلوب تبحث عن شيء يعبرها دون شرح شيء يقول انا هنا حتى وان كان اليوم شاحبا او ثقيلا او مرتبكا فالملابس تمنح الانسان ما يعجز الكلام عن فعله تمنحه حضورا حتى لو كان صامتا
وتملك الموضه قدرة نادرة على تفسير الحالات النفسية قبل ان تفسر شكل الجسد فعندما يرتدي الانسان قطعة واسعة فهو لا يبحث عن راحة للجسد بل يبحث عن مساحة للروح وعندما يختار لونا حادا فهو يريد ان يوقظ شيئا خاملا داخله وعندما يميل الى الالوان الهادئة فهو يحاول تهدئة ضجيج لا يعرف كيف يصفه الملابس ليست اختيارا شكليا بل اختيار عاطفي حقيقي
والثوب ليس مجرد غطاء بل رفيق يومي يراقب صاحبه ويمشي معه ويحمل نبرة مشيته ونفسه ونظرته وكل حركة فيه تكشف ما لا يراه الناس لان الثوب يعبر قبل الانسان ويتقدم خطوته الاولى قبل كلامه لذلك تجد شخصا يدخل غرفة بملابس بسيطة لكن حضوره يسبق اسمه وتجد اخر بملابس غالية لكنه يتلاشى وسط كثافة الناس لان الموضه لا تباع بل تنبع من الداخل
والملابس تحمل سرا اعمق مما يظنه البشر فهي لا تلمس الجلد فقط بل تلمس الذاكرة كل ثوب يرتبط بلحظة لحظة انتصار لحظة خوف لحظة بداية لحظة وداع لذلك حين يرتدي الانسان قطعة قديمة يشعر كأنه يعود الى جزء من نفسه كان اختفى وحين يرتدي قطعة جديدة يشعر انه يتقدم الى نسخة لم يلتق بها من قبل الموضه ليست فقط ما نرتديه اليوم بل ما نتركه من اثر غدا
وفي عالم تتغير فيه الوجوه تتغير فيه الطرق وتزداد فيه الضغوط تبقى الموضه المساحة الوحيدة التي يمكن للانسان ان يعيد فيها ترتيب شكله دون ان يحتاج تبريرا ويمسح فيها ما علق عليه من ثقل الايام دون ان يلاحظ احد ويصنع فيها صورة جديدة بدون خوف وبدون تردد لان الملابس ليست رفاهية بل وسيلة لإعادة بناء الروح من الخارج الى الداخل
الموضه ليست ثيابا بل حالة شعورية تتحرك عبر القماش ليست لونا بل فكرة ليست شكلا بل نبرة داخلية تظهر قبل ان تنطق وهي الطريقة الوحيدة التي تجعل الانسان يرى نفسه من جديد عندما تضيع ملامحه وسط زحام الحياة
التعليقات الأخيرة