الأشياء التي نكتشفها بعدما يهدأ كل شيء
بقلم/ناني عادل
في منتصف الضجيج لا يرى الإنسان الصورة كاملة فالأحداث حين تكون ساخنة تُربك التفكير وتدفَع القلب لردود فعل سريعة لا تشبه حقيقته لكن ما إن يهدأ كل شيء من حوله حتى تبدأ الحقائق في الظهور بوضوح أكبر ويكتشف الإنسان أمورًا لم يكن يلاحظها وهو وسط الزحام
عندما يهدأ كل شيء يفهم الإنسان أن بعض الغضب كان مجرد خوف وأن بعض القرارات القاسية كانت دفاعا عن نفسه وأن بعض المواقف التي ظن أنها نهاية العالم لم تكن إلا مرحلة ستعبر كما عبر غيرها
وعندما يهدأ كل شيء يرى الإنسان الأشخاص كما هم بلا مبالغة ولا أحكام متسرعة يعرف من كان صادقًا معه دون ضجيج ومن كان يصنع حضوره بالكلام فقط يعرف من بقي حين ابتعد الجميع ومن كان وجوده مرتبطًا بالمصلحة لا أكثر
وبعد الهدوء يفهم أيضًا أن الأشياء التي كان يتمسك بها بقوة لم تكن تستحق كل هذا العناء وأن بعض العلاقات التي حاول إنقاذها مرارا كان يجب أن يتركها من البداية لأن استمرارها كان يستهلك روحه أكثر مما يعيد بناءها
وعندما يهدأ كل شيء يبدأ القلب في فرز تفاصيله الصغيرة يعرف ما الذي يحتاجه حقا وما الذي كان يظنه ضروريا وهو ليس كذلك يكتشف أن راحته النفسية أهم من إرضاء الآخرين وأن الصمت أحيانًا أرحم من التفسير الطويل
وفي لحظات الهدوء العميق يشعر الإنسان أن حياته كانت مليئة بأشياء لم ينتبه إليها جمال بسيط كان يمر بجانبه كل يوم ولم يراه وهدوء كان يستطيع أن يستمتع به لكنه كان مشغولا بأشياء أكبر من أن تستحق كل ذلك
وحين يهدأ كل شيء يفهم الإنسان لماذا رحل البعض ولماذا بقي البعض ولماذا لم تتحقق بعض الأمنيات رغم إصراره عليها يعرف أن الحياة كانت تحميه أحيانا دون أن يفهم وأن تأخير بعض الأمور لم يكن عقابا بل كان حماية من طريق لم يكن يناسبه
ومع مرور الوقت يتحول هذا الهدوء الصادق إلى حكمة داخلية تجعل الإنسان أكثر تفاهمًا مع نفسه وأكثر تسامحًا مع الآخرين وأكثر قدرة على رؤية الحياة كما هي لا كما كان يتوقع أن تكون
يدرك أن الهدوء ليس غيابًا للأصوات بل حضورٌ للوعي وأن الأشياء التي نكتشفها بعد هدوء العاصفة هي التي تغيّرنا من الداخل لأنها تكشف لنا ما لم نكن قادرين على رؤيته ونحن في قلب العاصفة
التعليقات الأخيرة