news-details
مقالات

بين "خراسان المأمون" و"ثورة 1979": صياغة النفوذ بالغطاء المقدّس

بقلم / عدنان صگر الخليفه 

لا يمثل التاريخ مجرد حكاياتٍ غابرة، بل هو مختبرٌ تُصاغ فيه استراتيجيات البقاء والهيمنة. ومن يقرأ التحولات السياسية المعاصرة في المنطقة العربية بعين فاحصة، يدرك أننا لسنا أمام أحداثٍ وليدة الصدفة، بل أمام استكمال لمشروع جيوسياسي بدأ بنيانه الأول في القرن التاسع الميلادي (زمن المأمون العباسي)، وبلغ ذروة نضجه ومأسسته في القرن العشرين مع قيام الثورة في إيران عام 1979.
الجذور: الإكراه والتوظيف السياسي
بدأت بذور هذا التحول عندما أدرك العقل الإداري والسياسي الفارسي المحيط بالخليفة المأمون (وعلى رأسهم الفضل بن سهل) أن المواجهة المباشرة مع المركزية العربية لن تؤدي إلا إلى الانكسار. لذا، استبدلوا المواجهة بـ "الاحتواء الذكي" عبر استدعاء الإمام علي بن موسى الرضا إلى خراسان. ومن الأهمية بمكان التأكيد على أن ذهاب الإمام لم يكن خياراً طوعياً بل كان إشخاصاً جبرياً وإكراهاً سياسياً فرضته السلطة. وبينما استثمر الإمام هذا التواجد لنشر الفكر الإسلامي الصحيح وترسيخ القيم المحمدية في بلاد فارس، كانت الغاية التي يبني لها "بنو فارس" هي استغلال هذه الهيبة الروحية لإلباس طموحاتهم السياسية لباساً إسلامياً، يهدف لاستقطاب الخلافة ونقل مركز ثقلها ليكون تحت قيادة سياسية فارسية بعباءة علوية.
من النفوذ الفردي إلى الصرح المؤسساتي
تكمن العبقرية السياسية لثورة عام 1979 في أنها لم تكتفِ باستعادة حلم "وزراء خراسان" في عهد المأمون، بل حولته من نفوذ مرتبط بشخصيات زائلة إلى صرح مؤسساتي عابر للحدود. فبينما فشلت دولة المأمون لأنها اعتمدت على "شخص" الخليفة العربي، نجحت دولة الثورة لأنها أنشأت "مركزها السيادي الخاص" وصهرت فيه القومية بالدين صهراً لا ينفصم، فصار "الستار الإسلامي" لديها وسيلةً فعالة لتجاوز الحدود الوطنية للدول المجاورة، واستباحة سيادتها تحت مسميات "الأمة" و"المظلومية".
الدولة النبوية وتكريس "حرمة الأوطان"
وعند العودة إلى النموذج الإسلامي الأصيل في عهد النبوة، نجد مفارقة جوهرية؛ فقد بنى النبي عليه الصلاة والسلام "الدولة" على أساس احترام الخصوصية والسيادة الجغرافية. وتعد تسميات "المهاجرين والأنصار" دليلاً قاطعاً على الاعتراف بالحقوق البنيوية لكل مجموعة داخل أرضها ودارها. فالوحدة النبوية لم تكن تذويبية تلغي حدود الأوطان لصالح مركز واحد، بل كانت وحدة تكاملية تحترم "حرمة الحوزة" وتجعل من الدفاع عن مركز القرار (كما في معركة الخندق) واجباً وطنياً محصوراً بحدودٍ سيادية واضحة.
واقع الحال: المركز المصان والأطراف المباحة
إن ما نراه اليوم هو انقلاب صريح على النهج النبوي؛ حيث تُمارس "شمولية قومية" تفرض سطوتها على الأوطان العربية بشعارات عابرة للحدود. ففي الوقت الذي تُصان فيه حدود "الدولة المركزية" وتُحمى خلف أسوار القومية، تُطالب الشعوب العربية بفتح حدودها وتذويب سيادتها الوطنية، لتتحول أوطانها إلى "ساحات مواجهة" وخطوط دفاع أمامية للمركز. إن هذا الاستخدام النفعي للدين يهدف في حقيقته إلى تحويل المواطن العربي من "شريك سيادي" (كما كان الأنصار) إلى "أداة تنفيذية" في مشروع قومي إقليمي.
الخاتمة: وعي الأوطان هو المآل
إن الشعوب العربية اليوم تقف أمام لحظة الحقيقة؛ فالوعي السياسي يبدأ من القدرة على التمييز بين "الإسلام كرسالة إنسانية وعالمية" وبين "الإسلام كغطاء للتمدد القومي". إن استعادة هيبة "الوطن" واحترام حدوده وسيادته هو المسار الوحيد لإيقاف استراتيجية خراسان القديمة/الجديدة. فالوطنية الحقة ليست نقيضاً للدين، بل هي الوعاء الذي يحفظ كرامة الإنسان وسيادة الأرض، تماماً كما خطّ النبي الكريم حدود خندقه ليحمي "المدينة" وأهلها، ولم يستبحها بدعوى الوحدة الشمولية.
تنويه للقارئ: إن ما ورد في هذا المقال من ربطٍ وتحليل ليس سرداً لوقائع قطعية، بل هي آراء استنبطت من قراءة التاريخ الإسلامي وتاريخ الحكام في أمتنا. هي رؤية تحاول تسليط الضوء على كيفية توظيف التاريخ والرموز في الصراعات الجيوسياسية، بهدف تحفيز الوعي الوطني وقراءة الحاضر بعيون التاريخ، بعيداً عن المسلمات الجاهزة.

 

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا