المدارس بين مطرقة الحوادث وسندان العجز.. من يحاسب من؟
بقلم: أحمد الشبيتي
ما نراه ونسمعه اليوم من وقائع يندى لها الجبين، وتتجرد فيها الإنسانية من ثيابها داخل أروقة المؤسسات التعليمية، لم يعد مجرد حوادث عابرة، بل هو صرخة مكتومة في وجه منظومة تعاني من خلل هيكلي عميق.
عندما نتحدث عن انتهاكات تطال براءة الأطفال، فنحن لا نتحدث فقط عن "جريمة فردية"، بل عن ثغرات أمنية وإدارية وتربوية سمحت لهذا السواد أن يتسلل إلى محراب العلم.
كبش الفداء والهروب من المواجهة
العرف السائد عند وقوع أي كارثة هو البحث عن أضعف حلقة لتعليق المشانق لها. نلوم مدير المدرسة، أو المشرف، أو المعلم، ونحملهم مسؤولية انحرافات أخلاقية أو اختراقات أمنية، بينما نتجاهل الحقيقة المرة:
كيف نحاسب من لا نملك له من أمرنا شيئاً؟ المعامل والمكاتب والساحات تصرخ من عجز صارخ في الكوادر؛ عجز في الأخصائيين الاجتماعيين الذين هم خط الدفاع الأول عن نفسية الطالب، عجز في أفراد الأمن الذين يحرسون البوابات، وحتى في عمال النظافة الذين يضمنون بيئة آدمية.
عندما يخرج الموظف على المعاش ولا يجد من يحل محله، تصبح المدرسة جسداً بلا حماية، ومع ذلك، ننتظر من المعلم أن يكون "سوبرمان" يقوم بكل الأدوار في آن واحد.
وزارة التربية والتعليم.. أين التنسيق؟
إن العقاب والمحاسبة لا يستقيمان أبداً مع "العجز". لا يمكننا أن نطالب بالانضباط ونحن لم نوفر أبسط الإمكانيات والصلاحيات للمعلم والإدارة المدرسية.
المسؤولية لا يجب أن تقع على عاتق "الرؤوس الصغيرة" التي تعمل في ظروف قاسية، بل يجب أن تُساءل "الرؤوس الكبيرة" التي تملك في يدها أدوات الحل والجذر.
نحن بحاجة إلى:
نظام واضح ومرن:
يحدد المسؤوليات بدقة ويمنح المعلم هيبته وصلاحياته قبل أن يحاسبه على تقصيره.
سد العجز فوراً: توفير الكوادر الإدارية والأمنية والتربوية لضمان رقابة حقيقية في كل شبر من المدرسة.
تفتيش ومحاسبة شاملة:
لا تكتفي بظاهر الأمور، بل تبحث في كيفية توفير البيئة الآمنة قبل وقوع الكارثة.
صرخة لحماية أبنائنا وزملائنا
إن حماية أولادنا تبدأ من حماية المنظومة التي تحتضنهم. والافتراءات التي تلاحق المعلمين والمديرين عند كل أزمة، دون النظر إلى حجم الضغوط والمهام الملقاة على عاتقهم، هي جريمة أخرى في حق التعليم.
لا بد من وقف "الجدول" المزدحم بالمهام والمفرغ من الإمكانيات. لابد أن يدرك الجميع أن المعلم والطالب كلاهما ضحية لغياب الرؤية المتكاملة والتنسيق الفعال.
لن نتمكن من تنظيف المدارس من الشوائب الأخلاقية ما لم نوفر لها "مكنسة" الإدارة الرشيدة والدعم اللوجستي الكافي.
الخلاصة: المحاسبة حق، ولكن بعد التمكين. ارفعوا الظلم عن كاهل المعلم، ووفروا له الإمكانيات، ثم حاسبوه على كل شاردة وواردة. أما ترك المدارس تعاني العجز ثم انتظار المعجزات، فهو ضرب من العبث الذي يضيع فيه الطفل والمعلم معاً.
التعليقات الأخيرة