ليس كل ما نخسره خسرانا
ساهرة رشيد / العراق
في لحظات المراجعة الصادقة مع النفس، لا نرى الماضي كما كان حين عشنا تفاصيله، بل كما هو الآن بعد أن هدأت فينا الضوضاء. عندها فقط تبدأ الحقائق بالظهور، وتبدو بعض الأحداث مختلفة تماما عما ظنناه يوما.
أن بعض المعارك كانت عبثا، وأن بعض العلاقات كانت درسا، وأن خسارات كثيرة كانت في حقيقتها نجاة مؤجلة جاءت في الوقت المناسب. ليست هذه مجرد كلمات عابرة، بل خلاصة تجربة إنسان يكتشف متأخرا أن ما كان يظنه هزيمة، كان في العمق حماية خفية من أقدار أثقل مما يحتمل.
في حياتنا، ندخل معارك لا تشبهنا أحيانا، نقاتل دفاعا عن مواقف، أو عن أشخاص، أو عن صور رسمناها في أذهاننا ولم تكن تستحق كل هذا الإصرار. ومع مرور الوقت، نكتشف أن بعض تلك المعارك لم تكن سوى استنزاف لنا، وأن الانتصار فيها لم يكن إلا تعبا جديدا في ثوب مختلف.
وكذلك العلاقات… ليست كل علاقة نعيشها تصل بنا إلى الأمان. بعضها يمر في حياتنا ليكشف لنا أنفسنا أكثر مما يكشف الآخر. نتعلم من خلالها حدودنا، صبرنا، ضعفنا، وحتى قدرتنا على المغادرة. وما نظنه ألما خالصا، يتحول لاحقا إلى درس يغير نظرتنا للحياة والناس.
أما الخسارات، فهي الوجه الأكثر قسوة في البداية، لكنها الأكثر صدقا مع الوقت. نخسر أشخاصا، فرصا، وأحلاما، فنظن أن الطريق انتهى. ثم نكتشف لاحقا أن ما سقط من حياتنا لم يكن لنا أصلا، أو أنه تأخر ليمنحنا فرصة نجاة لا نراها إلا بعد أن نبتعد خطوة إلى الوراء.
بعض الخسارات لم تكن سقوطا، بل كانت دفعا غير مرئي نحو اتجاه أكثر رحمة بنا.
ومع نضج التجربة، ندرك أن الحياة لا تعطي كل شيء في وقته الذي نريده، بل في وقت نحتاجه حقا. وأن ما يغلق بابا اليوم، قد يكون هو ذاته الذي يحميك من أبواب كانت ستؤذيك غدا.
لهذا، لا ننظر إلى الماضي كقائمة هزائم، بل كخريطة نجاة لم نفهمها في حينها. فالحكمة لا تأتي دائما في لحظة الفرح، بل كثيرا ما تتخفى في شكل خسارة، موت، أو نهاية مؤلمة… ثم تتكشف لاحقا على هيئة راحة لم نكن نراها ونحن في قلب الألم.
التعليقات الأخيرة