موظفون بين مقصلة الضرائب وسلحفاة الصرف.. ضريبة تُدفع على الوهم
بقلم: أشرف رضا
في مشهدٍ عبثي لا يستقيم مع منطق إدارة أو أخلاق مهنية،علمته من بعض العاملين ببعض المؤسسات الحكومية أنها تمارس نوعاً من "الفهلوة" الإدارية التي تبعث عن الذهول والاستنكار،كما تثير السخرية بقدر ما تثير الغثيان.
فنحن أمام حالة فريدة من نوعها، سرعة ضوئية في استقطاع الضرائب على المستحقات المالية، وبطء سلحفائي في صرف نفس المستحقات.
فهذا خلل يطحن الموظفين بين رحى الجباية المسبقة وسخافة الصرف المتأخر، حين تظهر هذه المؤسسات كفاءةً منقطعة النظير، ونظاماً يتحدى قانون الجاذبية ، وحين يتعلق الأمر بحساب نصيب الدولة من عرق الموظف.
فبمجرد أن يُدرج الحافز أو المكافأة أو البدلات في كشوف الحساب، تنقضُّ مقصلة الضرائب لتقتطع نسبتها فوراً وبدقة متناهية، وبلمح البصر وبأثر فوري.
وبعد أن تضمن تلك المؤسسات حصة الضرائب، يتحول موظفيها إلى شحاذين يتسولون حقوقهم.
فالمستحقات التي خُصمت ضرائبها اليوم، قد لا تجد طريقها إلى جيب الموظفين إلا بعد أشهر، تحت شعار « لك وهتاخد وعلينا وهنديلك».
السؤال الجوهري هنا، كيف جاز لتلك المؤسسات قانوناً ومنطقاً أن تقتطع ضريبة عن دخل افتراضي لم يتسلمه صاحبه بعد؟
وكيف تُحاسِـب الضرائب على مستحقات لم تصرف وتزال حبيسة الأدراج؟
فهذا التأخير في صرف المستحقات مع خصم ضرائبها في حينه، ليس مجرد وقت مهدر، بل هو خسارة مادية حقيقية. في ظل تقلبات الأسعار، فإن القيمة الشرائية للمبلغ الذي استحقّه الموظف في يناير وتسلّمه في مايو أو يونيو تكون قد تآكلت بفعل التضخم.
فالمؤسسات هنا لا تمارس البيروقراطية فحسب، بل تمارس زيادة التضخم على القيمة الفعلية لأجر الموظفين.
هذا السلوك يرسل رسالة واضحة للموظفين، مفادها أن المؤسسات تأخذ حقها وحق الدولة منهم بشكل فوري، أما حقهم عندها فمتروك للظروف.
هذا التفاوت في التعامل وغياب الثفة ، يزرع الإحباط ويقتل روح الانتماء، ويجعل الموظف يشعر بأنه مجرد رقم ضريبي وليس شريكاً في منظومة العمل.
كلمة أخيرة
إن الاستمرار في سياسة الخصم الفوري والصرف المؤجل هو نوع من الإفلاس الإداري.
والمؤسسات التي تحترم نفسها هي التي تجعل سرعة اقتطاع ضرائب موظفيها توازي سرعة صرف مستحقاتهم.
ورسالتي إلى كل من يملك القرار في هذه المؤسسات، صريحةٌ وبلا مواربة:
الموظف ليس بنكاً يمنحكم قروضاً حسنة بلا فوائد عبر تأجيل مستحقاته.
الموظف إنسانٌ له التزامات لا تنتظر، وفواتير لا تتأخر، وكرامةٌ لا تُساوَم.
فإما أن تكونوا جهة عمل عادلة تأخذ وتعطي بالميزان ذاته، وإما أن تكونوا مؤسسات فارغة من الروح، مكتظة بالأجساد.
والعدل، في نهاية المطاف، ليس ترفاً إدارياً، ولا منةً تمنحها الإدارة، بل هو حقٌّ يستحقه كل من أعطى وقته وجهده وكفاءته، وهو الأساس الذي لا تقوم بدونه مؤسسة ولا تنهض دونه أمة.
موظفون بين مقصلة الضرائب وسلحفاة الصرف.. ضريبة تُدفع على الوهم
التعليقات الأخيرة