القصد المكرر لمكان معظم
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إعلم أخي الحاج أن حج البيت يبدأ من قصدك البيت لأن الحج في اللغة هو القصد المكرر لمكان معظم، فإذا كان كذلك فمنذ أن تذهب للحج تكون أول منفعة تريد أن تشهدها وتحظى بها أن ترجع وقد خلوت من الذنوب، والحج المبرور يكفر ذنوب السنة التي سلفت، والحج المبرور يعني الذي ليس فيه معصية ويعني من الكبائر أو من إدمان الصغائر، فإذا كان كذلك كان أول منفعة يجب أن نشهدها أن نتخلى من الذنوب والمعاصي، وأن نسعى في أن لا نرفث ولا نفسق، والرّفث هو إسم جامع للحديث مع النساء، وقد يكون الحديث عن مقدمات الجماع، أو قد يكون في تبسيط المرأة، أو قد يكون في الحديث مع المرأة، إلى آخر ذلك، فكل ما يتعلق على الحديث مع النساء مما يكون معه شهوة، فإن ذلك من الرفث، وإجتنابه مما هو مؤكد في الحج، وهذه الوصية أو هذه المنفعة تحتاج إلى تواصى بها وإلى دعوى إليها لأن كثيرين يحجون ويكثرون في حجهم من الرفث.
يكثرون من المزاح، يكثرون من القيل والقال وكأنهم في زمن لهو، وهذا لاشك من تعريض الحاج نفسه لعدم شهود هذه المنفعة العظيمة لأنه لابد من التقوى فقال تعالى " فلا إثم عليه لمن اتقى" وإن من منافع الحج العظيمة التي تشملها هذه الآية أن يتعلم الحجاج ما به تكون منفعتهم في الآخرة، أما به منفعتهم في الدنيا فالناس تعقل ذلك جيدا، لكن ما به تكون منفعتهم في الآخرة هذا الذي الناس اليوم بأشد الحاجة إليه، وإذا كان زمن الحج قصيرا، فإن الواجب أن يكثف العبد جهده في الحج في التعليم، وهو تعليم الجاهل وفي تبصير الغافل، وما أشبه ذلك، والتعليم هو الذي تحتاجه أن تبثه في الحجاج، ويجب على كل من يذهب إلى الحج أن يكون عنده فضل علم في أن يبلغ هذا العلم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى في الناس يوم عرفة، فقال "اللهم هل بلغت اللهم فاشهد" وقال "نضّر الله امرؤا سمع مقالتي فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى له من سامع"
فتبليغ العلم هذا من الضروريات وأين تجتمع لك هذه الأمم وهذه الوفود حتى تكون في مكان واحد فتسعى فيها بالعلم؟ ولهذا من الغريب أن يكون ثم من طلبة العلم أو من الحجاج الذي عندهم فضل علم، بينهم أو فيما حولهم مخيمات كثيرة فيهم من المسلمين من هو جاهل بأمر التوحيد وأمر العقيدة يعني العقيدة العامة وكذلك بأمر العبادة وأمور أركان الإسلام والمعاملات إلى آخره، وأعظم ذلك أمر العقيدة، لهذا لو توطن نفسك على أن تكون في هذه الحجة أن تكون في بعد ما فرض ناشرا للعلم ومعلما للجاهل، وقد ذكر أهل العلم أن طلب العلم وتعليم العلم أفضل النوافل، وهي إحدى الروايات عن الإمام أحمد، فأفضل نوافل العبادات طلب العلم وتعليم العلم، ولهذا لما إنصرف الناس عن الإمام مالك فذهبوا يصلون وهو يتحدث يحدث الحديث ويبين العلم قال ما الذي ذهبوا إليه بأفضل مما تركوه، فأنت قد تختار في الحج أن تكون مثلا ذاكرا أو أن تكون تاليا.
وهذا أفضل إذا لم تكن المنفعة عندك متعدية يعني لم يكن العلم عندك واسعا فتستطيع أن تؤديه لغيرك، أما إذا كنت طالب علم فإن الأفضل في حقك أن تسعى في تبليغ العلم في تبليغه في أصل الأصول وهو العقيدة، وإن المسلمين في هذه الأزمان يحتاجون أشد الحاجة إلى أن يعلموا، وأن يدعوا وهذا أمر متفق عليه، والحج هو الميدان الأول، والبلاء الذي أصاب المسلمين ليس من جهة عدو خارجي فحسب بل البلاء من شيء بينهم في أنفسهم من الإضلال عن العقيدة الصحيحة وعن التوحيد الخالص، فهناك من شبه لهم في أمر الإعتقاد، وهناك من شبه عليه في أمر التوحيد، فجعلهم يسعون في عبادة غير الله، وجعلهم لا ينكرون البدع، وجعلهم لا يفرحون بالسنن، إلى آخر ما هنالك، وهذا من البلاء الذي تولد في الأمة من جراء دعاة الباطل فيها من قرون، ولهذا أعظم ما يدعى إليه بالإتفاق العقيدة، فالعقيدة أولا لأنها هي الواجب الأول.
ولكن الأهم في ميدان الحج أن يكون العلم الصحيح الذي معك في العقيدة بأدلتها، في العبادات بأدلة ذلك مما تيقنت منه، وليس عندك فيه شك أو شبهة أن تبلغه لمن هو جاهل، وإن المسلمون اليوم ليسوا بحاجة إلى تفريعات، فالمسلمون اليوم بحاجة إلى أن يعلموا ألف باء في العقيدة والتوحيد، يعلمون أوائل ومقدمات ومهمات الإخلاص، والعبادة والديمومة لله عز وجل وحده دونما سواه، وذلك لأن الشرك فشى في الناس وهو الشرك الأصغر والأكبر، فلهذا كان من المتأكد شهودا للإنتفاع وإشهاد له وإنتقالا به أن تسعى في تحصيل هذا المقصد العظيم من مقاصد الحج الذي شرعه الله جل وعلا في قوله " ليشهدوا منافع لهم" وأن تشهد الناس أعظم منفعة لهم بأن تدله على توحيد الله جل وعلا وأن تعلمهم ذلك، وإن الحاصل أن الذين يعلمون لتوحيد وينشرون العقيدة في الحج على أقسام، منهم من ينشر ذلك بالإنكار، يعني إذا سمع منكرا في العقيدة
أو شيء أنكر واشتد وغلظ أو أغلظ في الإنكار على من فعل ذلك، ولا يسعى في التعليم ابتداء، وإنما عنده الإنكار فقط، وصنف لا يُنكر ولكنه يعلم، وصنف ثالث يعمل في ميدان التعليم، وإذا وجد منكرا من المنكرات المتعلقة بالعقيدة أو بالتوحيد أو المتعلقة بالعبادات فإنه ينكر ذلك، وينصح بالأسلوب الحسن الذي معه الانتفاع، وتذكر في هذا كله أن الناس بحاجة دائما إلى أن تمتثل قول الله عز وجل فى سورة الإسراء" وقل لعبادى يقولوا التى هى أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا"
التعليقات الأخيرة