news-details
مقالات

تحول عقيدة المواجهة بين واشنطن وطهران من النووي إلى المضيق

كتبت /منى منصور السيد
في منعطف استراتيجي هو الأخطر من نوعه، لم يعد الصراع الإيراني الأمريكي حبيس الغرف المغلقة للمفاوضات النووية، بل انتقل إلى ملاعب النار في عرض البحار، معلناً ولادة عقيدة قتالية جديدة تتجاوز استهداف المنصات العسكرية إلى خنق الشرايين الجيوسياسية للعالم. وبناءً على التحليل العميق الذي قدمه معالي اللواء سمير فرج، يتضح أن بوصلة المواجهة قد انحرفت من محاولة تحجيم طموح طهران النووي إلى صراع وجودي حول من يملك مفاتيح الممرات المائية؛ وهو تحول لم يغير تكتيكات الميدان فحسب، بل أعاد صياغة موازين القوى في منطقة لا تحتمل الخطأ.
عسكرياً، نشهد اليوم انتقالاً دراماتيكياً من نمط الحروب التقليدية التي ميزت الجولات الأولى من الصراع، حيث كان الاعتماد الكلي على التفوق الجوي والسيبراني الساحق للولايات المتحدة وإسرائيل، إلى ساحة الحرب غير المتكافئة في قلب الممرات البحرية. وبينما تمتلك واشنطن ترسانة الحصار البحري والقدرة على تنفيذ عمليات التفتيش والاحتجاز بواسطة قوات المارينز، تراهن طهران على ورقة المضيق القاتلة، موظفة تكتيكات الزوارق السريعة التابعة للحرس الثوري والألغام مبعثرة الكشف التي تحول مياه مضيق هرمز إلى حقل ألغام اقتصادي يهدد تدفق عشرين بالمئة من نفط العالم. هذا الواقع يضع القوة العسكرية الأمريكية أمام معضلة حقيقية؛ فالتفوق الجوي لا يحقق نصراً حاسماً في صراع يستهدف خنق الاقتصاد وتأمين ممرات لا تزيد فيها خسارة إيران اليومية عن خمسين مليون دولار مقابل خسائر عالمية بمليارات الدولارات.
وعلى الضفة السياسية، أحدث هذا التحول انزياحاً جذرياً في بنك الأهداف الكبرى؛ إذ تراجع الملف النووي خطوة إلى الوراء ليصبح التحكم في الممرات هو المطلب العاجل والملح. هذا التغير يعكس نجاح الاستراتيجية الإيرانية في رفع تكلفة الصراع على الاقتصاد العالمي، مما ولد ضغطاً دولياً هائلاً على الإدارة الأمريكية لإيجاد حلول عاجلة لأزمة الطاقة العالمية حتى لو كان ذلك على حساب المطالب النووية المتشددة. وفي هذا المناخ المتوتر، برز الموقف الإقليمي لدول الخليج بحياد حكيم يرفض الانجرار لمواجهة مباشرة أو السماح باستخدام القواعد العسكرية لشن هجمات، إدراكاً منها بأن أي سقوط مفاجئ للنظام الإيراني قد يخلق فراغاً أمنياً وسيطرة للميليشيات تهدد استقرار المنطقة بشكل أعمق. هذا التوازن الإقليمي يتناغم مع بُعد دولي تتقاطع فيه مصالح روسيا، التي تسعى لاستثمار الأزمة لرفع أسعار النفط وإضعاف الهيمنة الأمريكية، مع الدور الباكستاني الذي يتحرك كخيط رفيع يوازن بين المصالح الاقتصادية مع الجار الإيراني والعلاقات الاستراتيجية مع واشنطن، مما يجعل باكستان القناة الدبلوماسية الأنسب لنقل الأوراق الإيرانية لطاولة التفاوض.
إننا اليوم أمام مشهد ترسمه ثلاثة سيناريوهات مستقبلية معقدة؛ أولها وهو الأرجح يكمن في الحل التفاوضي القائم على مقايضة رفع الحصار البحري مقابل ضمان حرية الملاحة وفتح المضيق، وهو وإن كان يمثل حلاً مؤقتاً إلا أنه المخرج الأقل تكلفة لكافة الأطراف. أما السيناريو الثاني فهو استمرار المواجهة وما يتبعه من انهيار تدريجي للاقتصاد الإيراني يقابله جنون في أسعار الطاقة العالمية، وهو مسار محفوف بمخاطر الانزلاق إلى صدام شامل غير محسوب العواقب. فيما يبقى السيناريو الثالث مرهوناً بالتغيير من الداخل نتيجة الضغط المعيشي، وهو رهان يصطدم بصلابة الجهاز الأمني الإيراني وخبرته الطويلة في احتواء الأزمات والالتفاف على العقوبات.
وفي نهاية المطاف، تثبت القراءة الاستراتيجية لمعالي اللواء سمير فرج أن القوة العسكرية الغاشمة تظل عاجزة ما لم تخدم رؤية سياسية واضحة، وأن الصراع الذي بدأ بمنع إيران من القنبلة انتهى بالتفاوض معها على الممر؛ في مفارقة تعكس تعقيدات الجيوسياسية الحديثة وفشل أدوات الردع التقليدية في تحقيق استقرار دائم في منطقة تتحكم في نبض الاقتصاد العالمي.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا