القواعد المتصارعة: سوسيولوجيا تقرأ الشارع المصري
كتب د. قياتي عاشور
في إطار السعي الحثيث لربط الباحثين بالاتجاهات النظرية المعاصرة وتطوير أدوات بحثية قادرة على قراءة الواقع المجتمعي وتفكيك تعقيداته، شهد قسم الاجتماع بكلية الآداب جامعة بني سويف حراكاً أكاديمياً متميزاً. تجسد هذا الحراك في عقد الندوة العلمية الأولى للطلاب والباحثين لمناقشة توظيف نظرية القواعد المتصارعة في البحوث الاجتماعية. هذا اللقاء العلمي لا يمثل مجرد نشاط أكاديمي روتيني، بل هو نافذة وعي ضرورية للخروج من دائرة التبعية للنظريات الغربية، والإسهام الجاد في فهم مجتمعاتنا عبر مقاربات تتحدث بلغة واقعنا.
وقد تمحورت النقاشات حول الإطار المعرفي لنظرية القواعد المتصارعة للدكتور أحمد موسى بدوي، وهي مقاربة سوسيولوجية تنتمي بالأساس إلى اتجاه العلاقة بين الفعل والبناء. تنطلق هذه النظرية من مسلمة جوهرية تفيد بأن الأفعال الاجتماعية تسبق البناء في الوجود، وتعد المصدر الرئيسي لتشكيل القواعد البنائية. وتطرح النظرية مفاهيم وعلاقات واضحة وقابلة للقياس، مقدمة بديلاً منهجياً وموضوعياً يعالج الفجوات وأوجه القصور في أطروحات المنظرين الرئيسيين في هذا الاتجاه.
وتتجاوز هذه النظرية التقسيمات الثنائية الكلاسيكية لعلم الاجتماع، لتقدم خريطة تحليلية أعمق للهندسة البنائية للمجتمع، والذي تراه بناءً ثلاثي التركيب. يتألف هذا الهيكل المعقد أولاً من البناء التفاعلي المباشر الذي يتأسس من القواعد التفاعلية الشفاهية المشتركة التي تتبلور عفوياً في العقل الجمعي عبر التنشئة. وثانياً، البناء المؤسسي التراتبي الذي يقوم على القواعد العقلانية البيروقراطية الرسمية المنظمة للأفعال القصدية. وثالثاً، البناء النفقي المعتم، وهو بناء يتأسس على قواعد مضادة للقواعد التفاعلية والمؤسسية، وينظم الأفعال غير المشروعة من وجهة نظر المجتمع، ويضم خلايا الفساد، والجريمة المنظمة، والتنظيمات السرية.
ولفهم كيف تتصارع هذه الأبنية الثلاثة في واقعنا المصري، دعونا نتأمل ظاهرة ملموسة مثل الدروس الخصوصية. فمن ناحية، نجد أن البناء المؤسسي المتمثل في قوانين الدولة ووزارة التربية والتعليم تمنع هذه الظاهرة وتجرمها بوضوح. لكن هذا القانون يصطدم بقوة البناء التفاعلي الذي يتبنى قواعد تعتبر الدروس الخصوصية ضرورة حتمية لنجاح الأبناء، فيتقبلها المجتمع ويدفع تكاليفها الباهظة طواعية. وفي ظل هذا الصراع المستمر بين قانون الدولة وقناعة المجتمع، ينشط البناء النفقي المعتم، ليفرز كيانات تعمل في الخفاء كالسناتر غير المرخصة أو شبكات تسريب الامتحانات، متحدية بذلك القواعد الرسمية. ويمكن سحب هذا المقياس السوسيولوجي والأمني أيضاً على قضايا الجريمة والمجتمع، كقضية التحرش؛ فبينما يجرم البناء المؤسسي هذه الأفعال بصرامة رادعة، قد نجد أن البناء التفاعلي في بعض الثقافات الفرعية يتبنى قواعد مشوهة تلقي باللوم على الضحية وتفضل الصمت والستر. هذا التناقض بين صرامة القانون وتخاذل بعض الأعراف المجتمعية، يوفر بيئة خصبة للبناء النفقي المعتم لممارسة جرائمه في الخفاء، مستغلاً الفجوة بين قوة القانون وضعف ثقافة المجتمع في المواجهة.
ولا تقف الإسهامات التحليلية للنظرية عند حدود المجتمع المحلي المحدود، بل تفترض أن إنسان اليوم يعيش مقيداً ومرتبطاً بخمسة عوالم اجتماعية مستقلة ومتفاعلة تنقسم إلى مجموعتين رئيسيتين. تضم المجموعة الأولى العوالم الداخلية، وتشمل العالم الاجتماعي الصغير، وعالم المجتمعات المحلية والمؤسسات، ثم عالم المجتمع الكبير المتمثل في شبكة مؤسسات الدولة. بينما تضم المجموعة الثانية العوالم الخارجية، وتمتد لتشمل عالم مجتمع الإقليم، وصولاً إلى عالم المجتمع الكوني. وتختلف نظرة كل عالم لنفس القضية وتتصارع قواعده؛ فعلى سبيل المثال في قضية ميراث المرأة في بعض القرى المتمسكة بالعرف، قد تفرض التقاليد في العالم الاجتماعي الأوسط قاعدة حرمان المرأة من الميراث للحفاظ على تماسك الأراضي الزراعية داخل العائلة. هذا العرف يصطدم مباشرة بعالم المجتمع الكبير الذي يفرض قوانين صارمة تجرم الحرمان من الميراث، وفي الوقت ذاته، تضغط العوالم الخارجية بقواعد أوسع لضمان التمكين الاقتصادي والمساواة الكاملة.
ويحدث التغير المجتمعي وفقاً لهذه النظرية عندما تفرض أفعال جديدة نفسها على الساحة لتعديل هذه القواعد؛ سواء كانت أفعالاً جمعية عفوية أو حركية منظمة، أو أفعالاً سلطوية تفرض قوانين تقدمية أو تعسفية، أو من خلال أفعال فردية يقودها مصلحون وشخصيات استثنائية قادرة على تسريع التطور. إن الانفتاح على مثل هذه المقاربات النظرية يمنحنا عدسة دقيقة لتشخيص التفاعلات المعقدة وتفسير ظاهرة الواقعية البنائية، وهي الحالة التي تضطر فيها السلطة لفرض قوانين حديثة لم يتقبلها العقل الجمعي بشكل كامل بعد. في هذه الحالة، يضطر الأفراد للالتزام بالقانون ظاهرياً والمراوغة في تطبيقه، بينما يمارسون في الخفاء قواعدهم التقليدية القديمة. إن استيعاب هذه النظرية وتطبيقها يمثل خطوة جادة ومهمة نحو فهم أعمق لواقعنا المجتمعي والأمني، بعيداً عن القوالب الجاهزة التي لم تعد صالحة لتفسير تناقضات مجتمعاتنا المعاصرة.
التعليقات الأخيرة