news-details
مقالات

العروبة والمذهب: فخاخ المصطلح وهندسة التجزئة في الخطاب العراقي

بقلم/ عدنان صگر الخليفه 
رئيس إتحاد القبائل العراقية 
المشرف العام لتجمع اهل العراق 

​إن المتأمل في خارطة الخطاب الإعلامي والسياسي العراقي المعاصر يلحظ بوضوح جنوحاً لغوياً متعمداً يهدف إلى إعادة صياغة الهوية الوطنية والقومية عبر هندسة مصطلحات بديلة، تحاول جاهدة بتر الجذور التاريخية والاجتماعية للمجتمع العراقي، ولعل أبرز تجليات هذا التزييف تكمن في المصطلح الشائع الذي يضع الشيعة والكرد في كفة والعرب السنة في كفة أخرى، وهي صيغة لا تعاني من خلل منطقي في تصنيف الفئات فحسب، بل تحمل في طياتها لغماً فكرياً يراد منه حصر صفة العروبة في مكون مذهبي واحد ونفيها عن المكونات الأخرى، وهذا البتر اللغوي ليس مجرد سهو أو نتاج صدفة، بل هو استراتيجية ممنهجة تهدف إلى "تغريب" المكون الشيعي العربي وإخراجه من أرومته القومية لإلحاقه بقوميات أخرى أو جعله جسماً بلا هوية جامعة، مما يسهل عملية تفتيت الدولة وتحويلها إلى جزر معزولة يسهل الاستثمار في صراعاتها، والمفارقة التاريخية الكبرى هنا تكمن في أن المدرسة الجعفرية التي يتبعها هؤلاء هي في جوهرها مدرسة عربية قرشية محمدية أصيلة، بل هي المدرسة الأم التي انبثقت منها باقي المدارس الإسلامية الكبرى، حيث كان الإمام جعفر الصادق أستاذاً لأئمة المذاهب ومرجعاً علمياً لم تكتمل هوية الفكر الإسلامي إلا بالمرور بمدرسته، فكيف يُعزل من ينتمي لمنبع العروبة والفكر عن قوميته؟ إن هذا الاستهداف الممنهج عبر اللغة يسعى لإبقاء المجتمع في حالة دفاع دائم، حيث يُتهم المدافع عن عروبته من أبناء المدرسة الجعفرية بالطائفية لكي يُجبر على التقوقع داخل هويته الفرعية، مما يمنح المتاجرين بالسياسة فرصة إدامة المحاصصة والربح من "الجمر المبيت تحت الرماد"، بينما تشهد الحقائق الدامغة في دواوين القبائل العربية الأصيلة كقبائل زبيد وطيء وشمر وغيرها أن الدم الواحد يتوزع على المذاهب دون أن يفقد المذهب صفة العروبة أو يمنحها لطرف دون آخر، لذا فإن النصيحة الواجبة تقتضي التنبيه إلى أن العروبة في العراق هي قدر مشترك واستحقاق دم لا يملك أحد منحه أو منعه، وأن الوعي بحقيقة أن المذاهب هي مدارس فكرية لا قوميات بديلة هو السبيل الوحيد لإسقاط مشاريع التجزئة واستعادة هيبة المواطنة والسيادة الوطنية بعيداً عن ألاعيب المستثمرين في جراح الفرقة.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا