الكاتب محمد الدكروري في سير الشعراء والأدباء
في الفقرة الثامنة عشرة من برنامج سير الشعراء والأدباء نواصل رحلتنا الثقافية التي تهدف إلى تسليط الضوء على الشخصيات الأدبية والفكرية التي تركت أثراً واضحاً في مجتمعاتها، ونقف اليوم أمام تجربة إنسانية وأدبية مميزة يمثلها الكاتب والأديب محمد فتحي أحمد دكروري، أحد النماذج التي جمعت بين الكلمة الصادقة والعمل المجتمعي الفاعل، وبين الفكر المستنير والانتماء الوطني العميق، حيث ينحدر من بيئة مصرية أصيلة في محافظة القليوبية وتحديداً من قرية السيفا التابعة لمركز ومدينة طوخ، وهي بيئة ساهمت في تشكيل وعيه المبكر وربطته بقيم المجتمع المصري الريفي القائم على الترابط والتكافل
ومنذ بداياته، برزت ملامح الشخصية المثقفة التي لا تكتفي بالمعرفة النظرية، بل تسعى إلى تحويلها إلى فعل وتأثير، فكانت مسيرته الإعلامية والصحفية واحدة من أبرز المسارات التي صقلت حضوره في المشهد الثقافي، حيث عمل في عدد من المواقع القيادية التي منحته مساحة واسعة للتأثير وصياغة الخطاب الإعلامي، فقد تولى مسؤولية إدارة المركز الإعلامي لحزب مصر القومي، وهو موقع يتطلب رؤية سياسية وإعلامية متوازنة، كما شارك في الحملة الوطنية لدعم القيادة السياسية في مجال الإعلام السياسي، الأمر الذي يعكس انخراطه في الشأن العام وإيمانه بدور الكلمة في بناء الوعي المجتمعي
ولم يقتصر نشاطه على جانب واحد، بل امتد ليشمل العمل الصحفي بمختلف أشكاله، حيث شغل منصب المستشار العام لجريدة الفرسان اليوم، ورئاسة القسم الديني في جريدة الصوت الإخبارية، إلى جانب إدارته لقطاع الشؤون الدينية والمجتمعية في جريدة النجم الوطني، فضلاً عن عمله مديراً لمكتب القليوبية في جريدة وسط البلد، وهي سلسلة من المناصب التي تعكس ثقة المؤسسات الإعلامية في قدراته المهنية والفكرية، كما تؤكد تنوع خبراته وقدرته على التعامل مع مختلف القضايا، سواء كانت دينية أو اجتماعية أو سياسية
وقد كان لقلمه حضور واضح في العديد من الصحف والمنصات الإعلامية، حيث نشر مقالاته في صحف متعددة مثل شبكة أخبار مصر 24 وجريدة موطني والأضواء وصدى مصر والحياة نيوز وأهرام مصر والراصد وغيرها، وهو ما يدل على استمرارية عطائه واتساع دائرة تأثيره، إذ لم يكن مجرد كاتب عابر، بل صاحب رؤية يسعى من خلالها إلى معالجة قضايا مجتمعه وإبراز القيم الإنسانية والأخلاقية التي يحتاجها الإنسان في حياته اليومية
أما على الصعيد الأدبي والفكري، فقد قدم مجموعة من المؤلفات التي تعكس اهتمامه بالجانب الديني والتاريخي والثقافي، حيث جاءت أعماله لتجمع بين التوثيق والتحليل والطرح التربوي، ومن أبرز هذه الأعمال كتاب “سماء المعرفة” الذي تناول فيه القيم الأخلاقية وتعاليم الإسلام بأسلوب مبسط وعميق في آن واحد، وكذلك كتاب “نساء في ذاكرة التاريخ” الذي وثق فيه سير عدد كبير من الشخصيات النسائية المؤثرة، مقدماً نماذج ملهمة للمرأة عبر العصور، كما تناول في كتاب “مصابيح الإسلام وشخصيات خلدها التاريخ” سير العلماء والقادة الذين أسهموا في بناء الحضارة الإسلامية، ولم يغفل الجانب التاريخي السياسي في كتابه عن الدولة الأموية، حيث قدم قراءة توثيقية لخلفائها وأمرائها، إلى جانب كتابه عن زوجات الرسول الذي تناول فيه سير أمهات المؤمنين بروح دينية وأدبية تعكس احترامه لهذا الجانب من التاريخ الإسلامي
وما يميز هذه المؤلفات ليس فقط تنوع موضوعاتها، بل أيضاً حرصها على تقديم محتوى يجمع بين الفائدة العلمية والطرح القيمي، وهو ما يجعلها قريبة من القارئ الباحث عن المعرفة الهادفة، كما شارك الكاتب في عدد من المعارض الدولية للكتاب، مثل معرض القاهرة ومعرض الإسكندرية، الأمر الذي أتاح له فرصة التواصل المباشر مع القراء والمهتمين بالشأن الثقافي، وعزز من انتشار أعماله داخل وخارج مصر
ولا يمكن الحديث عن شخصية مثل محمد الدكروري دون التوقف عند دوره المجتمعي والديني، حيث لم يكتف بالكتابة والتأليف، بل انخرط بشكل مباشر في خدمة المجتمع، فعمل إماماً وخطيباً متطوعاً بإدارة أوقاف برشوم، وهي رسالة تتطلب التزاماً أخلاقياً ودينياً عالياً، كما كان له دور في إصلاح ذات البين وفض النزاعات بين الناس، وهو جانب إنساني يعكس عمق ارتباطه بقضايا مجتمعه وحرصه على تحقيق الاستقرار الاجتماعي، إضافة إلى استخدامه لقلمه كوسيلة لنقل مشكلات المواطنين إلى المسؤولين، في محاولة لإيجاد حلول واقعية تسهم في تحسين حياتهم
ومن الجوانب التي تضيف إلى شخصيته بعداً آخر، تنوعه العلمي وسعيه المستمر للتطوير، حيث درس علوم الصحة الغذائية في كلية الطب البيطري بجامعة جامعة القاهرة، وهو تخصص علمي يعكس اهتمامه بالجوانب الصحية والغذائية، كما حصل على شهادات في نظم الإدارة المتكاملة، مما يدل على رغبته في اكتساب مهارات تنظيمية وإدارية تدعم مسيرته المهنية، وتمنحه أدوات إضافية للتعامل مع التحديات المختلفة
إن المتأمل في هذه المسيرة يدرك أن محمد الدكروري يمثل نموذجاً متكاملاً يجمع بين الفكر والعمل، وبين الثقافة والممارسة، فهو ليس مجرد كاتب يكتفي بطرح الأفكار، بل إنسان يسعى إلى تجسيد هذه الأفكار في الواقع، سواء من خلال عمله الإعلامي أو نشاطه المجتمعي أو جهده الديني، وهو ما يجعله واحداً من الشخصيات التي تستحق التقدير والاهتمام في المشهد الثقافي العربي
وفي ظل التحديات التي يواجهها العالم اليوم، تبرز أهمية مثل هذه النماذج التي تؤمن بدور الكلمة في التغيير، وتدرك أن الثقافة ليست ترفاً بل ضرورة لبناء الإنسان والمجتمع، ولذلك فإن تجربة محمد الدكروري تقدم درساً مهماً في كيفية توظيف المعرفة لخدمة الناس، وفي كيفية الجمع بين الانتماء الوطني والانفتاح الفكري، وفي كيفية الحفاظ على الهوية الثقافية مع مواكبة التطورات المعاصرة
وهكذا تظل هذه السيرة شاهداً على أن النجاح الحقيقي لا يقاس فقط بالمناصب أو المؤلفات، بل بمدى تأثير الإنسان في محيطه، وبقدرته على ترك بصمة إيجابية في حياة الآخرين، وهو ما نجده واضحاً في مسيرة هذا الكاتب الذي اختار أن يكون صوتاً للوعي، وجسراً بين المعرفة والمجتمع، ونموذجاً للمثقف الذي يعيش قضايا أمته ويسعى إلى خدمتها بكل ما يملك من فكر وجهد وإخلاص
يُعد هذا المقال من أبرز ما كتبه الكاتب والأديب محمد فتحي أحمد دكروري، حيث جاء بعنوان الظواهر الاجتماعية التي عرفها المجتمع البشري، وهو نص فكري وتربوي متكامل يعكس رؤيته الإصلاحية القائمة على المزج بين القيم الدينية والتحليل الاجتماعي العميق، وقدّمه بأسلوب وعظي يهدف إلى تقويم السلوك الإنساني وبناء مجتمع قائم على الأخلاق والانضباط.
وفي ختام هذه الحلقة يمكن القول إن هذا الطرح الذي قدمه الكاتب والأديب محمد فتحي أحمد دكروري ضمن مقال الظواهر الاجتماعية التي عرفها المجتمع البشري يعكس رؤية فكرية ذات طابع إصلاحي تسعى إلى معالجة القضايا السلوكية والاجتماعية من منظور يجمع بين الوعظ الديني والتحليل الاجتماعي، حيث تناول قضايا تربوية داخل الأسرة مثل الكذب والغيبة والنميمة، وناقش أساليب التقويم والتربية، ثم توسع في تحليل ظاهرة الخيانة الزوجية باعتبارها واحدة من أكثر الظواهر تعقيداً وتأثيراً على استقرار المجتمع والأسرة
وقد أظهر النص حرصاً واضحاً على ربط السلوك الإنساني بالقيم الأخلاقية والدينية، مع محاولة تفسير أسباب الانحرافات الاجتماعية من خلال عوامل نفسية واجتماعية وثقافية، مما يجعل هذا المقال أقرب إلى دراسة توعوية تهدف إلى لفت الانتباه إلى خطورة هذه الظواهر وضرورة معالجتها بالحكمة والوعي والتربية السليمة.
دكتور محمد ماهر صالح
عميد اكاديمية حمورابي للثقافة والفنون بجمهورية العراق
التعليقات الأخيرة