الأضحية سنة مؤكدة عن أبينا إبراهيم
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إعلموا عباد الله أن الأضحية هي سنة مؤكدة عن أبينا إبراهيم الخليل عليه السلام، وعن رسولنا الكريم محمد صلي الله عليه وسلم، وإن الكفار أيضا كانوا يذبحون لأصنامهم، وهذا في زمن الجاهلية ما قبل الإسلام، وينبغي لنا جميعا أن نتأسي بسنة النبي صلي الله عليه وسلم، وهذه الأضحية سنة مؤكدة في قول أكثر أهل العلم، والواجبة في قول البعض الآخر، وهذا النسك الإسلامي إظهاره عبادة، وأما تحويله إلى صدقات مالية، أو إخراجه من البلد فليس من السنة، بل السنة أن يبقى في البلد، ويُظهر فيها، عبادة تظهر، وسنة تحيا، ودليل على التوحيد يقام، وشاهد على الامتثال لأمر الله تعالى يحقق، والإنسان إذا كان له أضحية أشهرها في بلده، وعنده أضاحى أخرى لأموات، أو لغيرهم فأرسلها إلى أماكن أخرى، من بلاد المسلمين المحتاجين لتذبح عندهم فلا بأس بذلك، لكن لا يخرجها، ويصرفها عن مكانه فربما تخلو الأضحية من البلد لو أنهم إتفقوا على ذلك.
ولكن قد يُخرج الإنسان الأضحية للحاجة خارج البلد، كأن يكون غير قادر على شراء أضحية هنا، ولكن ما معه من المبلغ يكفي لأضحية هناك، فهذا أحسن من أن يبقى بلا أضحية هنا، وأن هذه الشاة الواحدة التي تجزئ عن الإنسان وأهل بيته وعياله، ولو كان فيهم من يعمل، ويكسب المال، ما دام اجتماعهم في معيشتهم واحدا، طعامهم وشرابهم، ونفقتهم واحدة، معيشتهم واحدة، زادهم واحد، أضحية واحدة، فإن انفصلوا في النفقات والطعام، وإن إنفصلوا في المعيشة، فلكل أضحيته، ومن أحكام الأضحية أنه ينبغي لمن أراد أن يضحي، أن يمسك عن الأخذ من شعره وأظفاره وبشرته من دخول العشر إلى أن يذبح أضحيته، لقوله صلى الله عليه وسلم "إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره" أى حتى يضحي، وفي رواية" فلا يمس من شعره ولا من بشره شيئا" رواه مسلم، وهذا أمر للوجوب.
ونهي للتحريم على أرجح الأقوال لأنه أمر مطلق، ونهي مجرد لا صارف لهما فليمسك عن شعره وأظفاره، فلا يمس من شعره ولا من بشره شيئا، ولعل الله لما علم ضعف المقيمين عن الذهاب إلى الحج عوضهم بشيء فيه مشابهة الحجاج، وسلوانا، وتسلية لأنفسهم، إذا رأوا عباد الله، وفد الله ذاهبون، وهم قاعدون في البلاد، فجعل لهم شيئا من النسك يشابهون فيه الحجاج، ومن تعمد الأخذ من شعره وأظفاره فعليه أن يستغفر إلى الله، ويتوب، ولا فدية، وأضحيته صحيحة، لكنه أنقص أجره ووقع في الحرج نتيجة معصيته لأمر رسول الله ونهيه صلى الله عليه وسلم، ومن احتاج إلى أخذ شيء من ذلك لتضرره ببقائه كانكسار ظفر، أو جرح عليه شعر يتعين أخذه، أو حجامة احتاج إليها لمرض فلا بأس لأنه ليس أعظم من المحرم الذي أبيح له الحلق للأذى.
وكما ذكرت كتب الفقه الإسلامي أنه لا يحرم على المضحي أن يطأ زوجته، ولا حرج عليه في غسل رأسه وترجيله، وتمشيط شعره، لكن لا يتعمد تقطيع الشعر، ولعله إذا وفر شعره وأظفاره إلى حين ذبح أضحيته رجاء أن يعتقه الله كله من النار بشعره وأظفاره، ومن لم يكن عنده نية أضحية من أول العشر فأخذ من شعره وأظفاره، ثم أراد أن يضحي لأن الله رزقه مالا فلا حرج عليه، يمسك من حين نوى، ولا تنفع الحيلة بأن يوكل زوجته بالأضحية، ومن النساء من توكل أخاها في أضحيتها لتأخذ من شعرها، وهذا لا ينفع لأن الحكم متعلق بالمضحي الذي دفع المال، هو صاحب الأضحية فهو الذي يمسك، سواء كان له وكيل، أو غيره، فالوكيل لا يتعلق به نهي، فإن النهي خاص بمن أراد أن يضحي عن نفسه، وأما من يضحي عن غيره بوصيه، أو وكالة، فهذا لا يشمله النهي، وظاهر الحديث أنه خاص بصاحب الأضحية لا يعم زوجته، ولا أولاده.
إلا إذا كانت لهم أضاحى خاصة بهم، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يضحي عن آل محمد، ولم يُنقل أنه نهاهم عن الأخذ، وإذا لم نعرف هل شهر ذي القعدة ثلاثين أو تسع وعشرين، فالأصل إكمال الشهر ثلاثين، فإذا غربت شمس آخر يوم من ذي القعدة أمسك المضحي عن شعره وأظفاره، ومن كانت عنده أضحية تركها في البلد وذهب إلى الحج فماذا يفعل؟ يمسك عن شعره وأظفاره من أول الشهر ما دام له أضحية في البلد، لكن سيحتاج إلى الأخذ من شعره بعد عمرة التمتع لأنه كيف سيتحلل منها بقص الشعر، فتعارض واجب، وهو قص الشعر في التحلل من العمرة، مع منهي عنه وهو عدم الأخذ من الشعر والأظفار للمضحي، فيقدم الواجب حينئذ لأنه أعلى مرتبة، فيراعى، وحينها يأخذ الحاج من شعره بعد العمرة وهى عمرة التمتع، وأما المفرد والقارن فيمسك إلى حين ذبح أضحيته، والأصل أن الأضحية لأهل البلاد، والهدي للحاج.
فلا يحتاج الحاج إلى أضحية في البلد، يكفيه هديه، ولو كان مفردا فإن الهدي في حقه مستحب، ولكن من أراد أن يترك لأهله أضحية، ويذهب هو للحج، فيفعل كما تقدم، وكذلك لا يحرم على المضحي مس الطيب، ولا لباس المخيط، ولا جماع الزوجة، ذلك خاص بالمحرم، أي النهي عن هذه الأشياء، وينبغي مراعاة شريعة الله عز وجل، والقيام بأمره، والتفقه في دينه.
التعليقات الأخيرة