محاربة الإسلام الفساد
بقلم/ محمـــد الدكـــروري
إعلموا أن التوحيد والعبادات شرعت من أجل ترسيخ مكارم الأخلاق بين أفراد المجتمع، وإن الغاية والحكمة الجليلة من تشريع العبادات هي غرس الأخلاق الفاضة وتهذيب النفوس، كما هو معلوم في الصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها، وإن التمسك بالأخلاق الفاضلة من الأمانة، ومن الصدق، ومن الوفاء، ومن الإخلاص، ومن جميع صور الأمانات، حتى يصل إلى المرتبة العليا في الجنة، وقد سئل النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال صلى الله عليه وسلم "تقوى الله، وحسن الخلق، وإن المرء ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم" وكذلك فإن المحرمات ينبغي أن نجتنبها جميعا من الربا بجميع صوره، وعدم البيع والشراء بالمحرمات، والتجارة بالمحرمات، والاحتكار، وأن يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه، وكذلك التراحم، والتعاطف، وأن يحس المؤمن بالآم إخوانه المسلمين، وألا يظلمهم فقال صلى الله عليه وسلم.
"المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يحقره، بحسب أمريء من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه" وكذلك حسن اختيار العاملين فينبغي، علينا أن نختار الأكفاء إذا أردنا أن نوظف في دائرة أو في مؤسسة كبرت أو صغرت، أن نختار الأكفاء الذين يكونون أمناء، لا يحابون ولا يجاملون ولا يغشون ولا يزورون ولا يأكلون أموال الناس بالباطل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مَن ولّى على المسلمين رجلا وهو يعلم أن في المسلمين أكفأ منه فقد خان الله ورسوله" فينبغي أن نختار الأكفاء، حتى تكون مؤسساتنا وحتى تكون دوائرنا مبنية على الأمانة والصدق والإخلاص، ومراقبة المولى عز وجل، ولقد حارب الإسلام الفساد بجميع صوره حتى يبتعد المسلمون عن هذه الخصل الدنيئة التي لا تليق بالمسلمين فلذلك جعل عقاب المفسدين قاسيا، وهى القتل وهذه العقوبة الشديدة للمفسدين في الأرض بجميع صور الفساد.
وأن التحذير منه جاء عاما في الآيات القرآنية، والتحذير من كل صور الفساد، فلم يخصص نوعا من أنواع الفساد، حتى يبتعد المسلمون عن جميع الصور، وأن الله تعالى جعل العاقبة الحسنى لمن ابتعد عن الفساد وكان أمينا مخلصا في هذه الحياة الدنيا، فالذين ابتعدوا عن الفساد بجميع صوره هم الذين لهم الدرجات العلى في الجنة، ونسأل الله ألا يحرمنا ذلك، فينبغي أن نتعاون جميعا على محاربة الفساد، وأن نجعله قضية إجتماعية، فإن البلاء إذا نزل يعم الصالح والطالح، فيقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم "مَثَل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فكان قوم في أعلاها وقوم في أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا أرادوا الماء مروا على الذين في أعلاها، فقال الذين في أسفلها لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا بدل أن نؤذي مَن فوقنا" ويقول النبي صلى الله عليه وسلم "فلو أنهم تركوهم وما أرادوا لهلكوا وهلكوا جميعا، ولو أنهم أخذوا على أيديهم لنجوا ونجوا جميعا"
فعندما نسكت عن المفسدين ولا نبلغ عنهم ولا ننهاهم، ولا نرفع أمرهم ونتركهم ونسكت عنهم ونجاملهم فإن البلاء سينزل بنا جميعا، وإنه ينبغي علينا ألا نجامل أحدا إذا رأينا مفسدا يستغل الوظيفة أو المؤسسة يحتال، يرتشي، أو يجامل، أو يسرق، أو يفعل أي صورة من صور الفساد أن نبلغ عنه معذرة إلى الله سبحانه وتعالى حتى لا ينزل بنا العذاب، فإن رأينا مفسدا، فينبغي أن نبلغ عنه بعد أن نتثبت ونتأكد أنه مفسد في وظيفته، أو أنه مفسد في مؤسسته، أو أنه مفسد في مسؤوليته، أن نبلغ عنه فنكون ممن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، والنبي صلى الله عليه وسلم قال "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" فينبغي علينا أن نحارب الفساد سرا وجهرا بجميع الصور وبجميع الوسائل، وأن لا نجامل، وأن نعد هذه كارثة ومصيبة، إذا نزل البلاء فإنه يعم الصالح والطالح، وإن الدين الإسلامي الحنيف حارب الفساد منذ اليوم الأول.
لبعثة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، فالإسلام ذاته ثورة ضد الفساد بدءا من فساد العقيدة، فقد جاء ليحرر الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد وجاء ليقضى على الأخلاق الذميمة والعصبيات الجاهلية وينشر بدلا منها الأخلاق القويمة الحميدة، وتكون العصبية للدين وحده جاء ليقضى على كل مظاهر الفساد الإقتصادية والإجتماعية ويؤصل بدلا منها كل ما هو حسن وكل ما من شأنه أن ينهض بالأمة ويجعلها رائدة العالم كله.
التعليقات الأخيرة