news-details
مقالات

السُّنَّة المُهْجُورَة: الاعتماد على اليدين عند القيام في الصلاة (صفة العَجْن)

السُّنَّة المُهْجُورَة: الاعتماد على اليدين عند القيام في الصلاة (صفة العَجْن)

 

بقلم: أحمد الشبيتي

 

مقدمة

في زمنٍ كثرت فيه الغفلة عن السنن، وقلّ فيه الالتفات إلى هيئات الصلاة النبوية، تبرز لنا سنة قد خفيت على كثير من المصلين، ألا وهي: الاعتماد على اليدين عند القيام من السجود للركعة التالية، المعروفة عند العلماء بـ"صفة العجن".

هيئة نبوية مهجورة وردت عن رسول الله ﷺ، وبيّنها الصحابة، وتناقلها فقهاء الأمة بين مثبتٍ ومؤول. في هذا المقال، نُسلط الضوء على هذه السنة المهجورة، بدليلها، وفهم السلف لها، وسبل إحيائها دون غلوّ أو إنكار على المخالف.

 

 أولاً: الأدلة من السنة النبوية

حديث مالك بن الحويرث:

روى البخاري أن أبا قلابة قال:

"جاءنا مالك بن الحويرث فصلى بنا في مسجدنا هذا، فقال: إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة، ولكن أريد أن أريكم كيف رأيت رسول الله ﷺ يصلي..."

وفيه أنه كان إذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ثم قام.

 

 دلالة الحديث: أن الاعتماد على اليدين عند القيام من السجود كان من هدي النبي ﷺ.

 

حديث ابن عمر (حديث "العجن"):

روى الأزرق بن قيس قال:

"رأيت عبد الله بن عمر يعجن في الصلاة، يعتمد على يديه إذا قام، فقلت له: ما هذا يا أبا عبد الرحمن؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ يعجن في الصلاة".

 

 الحديث مختلف في صحته:

حسّنه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (2674)

ضعّفه آخرون لوجود راوٍ مجهول في بعض طرقه

 

ولكن ورد بلفظ آخر عن راوي موثوق مما يقوّي معناه

 

 ثانيًا: أقوال العلماء

القائلون بسنية "العجن":

 

الإمام مالك، الشافعي، إسحاق: عدّوا الاعتماد على اليدين سنة.

 

الإمام أحمد: كان يفعله، وقيل لعلة في بدنه، وقيل سنة.

 

السلف: عمر بن الخطاب، مكحول، الزهري، عبادة بن نُسي، وغيرهم.

 

الشيخ الألباني: فسّر العجن بوضع الكفين على الأرض مع تقبيض الأصابع (كحال العجن باليد).

 

القائلون بعدم تخصيص هيئة "العجن":

ابن باز: "المعروف أنه ليس بصحيح، والإنسان يعتمد كيف شاء".

النووي: الاعتماد جائز، لكن لم يثبت فيه هيئة معينة.

الحنفية والحنابلة: يفضلون الاعتماد على الركبتين، إلا لحاجة.

 

ثالثًا: خلاصة الخلاف والعمل الراشد

الخلاف ليس في أصل الاعتماد على اليدين بل في هيئة "العجن" تحديدًا.

 

الصحيح - كما رجّحه المحققون - أن الاعتماد سنة، وهيئة العجن لا دليل صريح على وجوبها.

فمن فعله تقليدًا لحديث صححه بعض العلماء فلا يُنكر عليه، ومن تركه فلا حرج.

 

 قاعدة: "من اجتهد وأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر"، ولا إنكار في مسائل الاجتهاد.

 

 رابعًا: لماذا نحيي السنن المهجورة؟

1. اقتداء بالنبي ﷺ في أدق تفاصيل عباداته.

2. تجديد للإيمان والشعور بخشوع الصلاة.

3. مخالفة العادات السائدة التي قد تخالف السنة.

4. نيل الأجر العظيم، لقوله ﷺ: "من أحيا سنة من سنتي فعمل بها الناس..." (رواه ابن ماجه).

 

ولكن: إحياء السنن لا يكون بتشديد أو تعنيف أو اتهام للمخالف، بل بحكمة ورحمة ورفق.

 

 خاتمة

"الاعتماد على اليدين عند القيام في الصلاة" سُنة نبوية كادت تُنسى، فهل نكون من أحياها؟

فلنحرص على الصلاة كما صلّى رسول الله ﷺ، ولا نُفرّط في سننه بدعوى العادة أو الاستعجال، ولننشر الهدي النبوي بالحكمة والبصيرة، لا بالغلوّ أو الإلزام.

 

اللهم اجعلنا من المقتدين بسنة نبيك، المحبين لهديه، العاملين بها على بصيرة.

وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا