سيمون تفتح كتاب مشوارها بكلمات من ذهب: حكاية فنانة استثنائية كتبت تاريخها بالتنوع والكرامة والوعي
سيمون تفتح كتاب مشوارها بكلمات من ذهب: حكاية فنانة استثنائية كتبت تاريخها بالتنوع والكرامة والوعي
كتب: الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر
في زمنٍ تتسارع فيه الوجوه وتتبدّل فيه الأضواء، تبقى هناك وجوه لا تزول من الذاكرة، لا لأنها تفرض حضورها قسرًا، بل لأنها تزرع نفسها بهدوء، بثقة، وبصمت يُشبه النبلاء... النجمة سيمون ليست مجرد فنانة مرّت على الشاشة أو الميكروفون، بل حالة فنية وثقافية متكاملة، رحلة واعية بدأت من نقطة صدق واشتغلت على نفسها بعقل وروح، لدرجة تجعل منشورًا واحدًا لها كافيًا لأن يُلخّص فلسفة فنية عمرها عقود، وهذا تحديدًا ما فعلته في رسالتها الأخيرة بعنوان "مشواري (لمن يعي فقط)"، والتي انفجرت على مواقع التواصل كوميض من النور وسط زحام المحتوى الزائف.
سيمون بدأت منشورها بجملة فيها تحدٍ راقٍ: (لمن يعي فقط)، لتضع من البداية معيارًا للفهم، وعتبة لا يتجاوزها إلا من يملك الوعي الكافي لإدراك معنى أن تكون فنانًا حقيقيًا، لا مجرد صانع شهرة. ثم وضعت لبنتها الأولى، الجملة التي تختصر الحقيقة: "الأكيد إن أي عمل مش سهل، والفن (خصوصًا) بشهرته ومادياته، عمل صعب"، جملة واحدة تحمل في طياتها ما لا تُعبّر عنه كتب كاملة عن مشقّة الفن، عن التوازن بين القيمة والمتطلبات، بين العطاء المستمر وسط استهلاك لا يتوقف، بين أن تُبهر الجمهور وتُحافظ على نفسك دون أن تُبدد جوهرك.
العبقرية في رسالتها لم تكن فقط في ما قالته، بل في كيف قالت ما قالته؛ فحين تحدّثت عن صناعة التاريخ بالأعمال التي تبقى لأجيال، وضعت الفن في مكانه الصحيح: عمل رسالي، يحمل ذاكرة الأمة، ويمتد خارج اللحظة، خارج السوق، خارج الترند... وهنا تأتي الجملة الحاسمة: "الأصعب لما بعد الرحيل"، فنان يعرف أنه يُعمّر تاريخًا وليس مجدًا مؤقتًا، ويفكّر في الأثر أكثر من التريند، في الذاكرة أكثر من الصورة.
أما عن التنوع، فقد تحدّثت عنه بمنتهى البساطة والعمق في آن، ووصفت قدرتها على النجاح في الغناء والتمثيل، مرورًا بالسينما والتليفزيون والمسرح، باعتباره شيئًا نادرًا، وفعليًا... كم فنان اليوم يستطيع أن يتألّق في هذه المسارات كلها دون أن يُكرر نفسه أو يبهت في أحدها؟ سيمون فعلت ذلك، لأنها لم تكن تحترف الفن كصنعة، بل كانت تتعاطاه كمسؤولية، كهوية، كرسالة، ولهذا حين غنّت، صدقنا صوتها، وحين مثّلت، لمسنا شخصياتها، وحين وقفت على المسرح، رأينا إنسانة تحمل العالم على أكتافها ولا تشتكي.
وفي فقرتها الثالثة، تسكب سيمون خبرتها كقطرات نور: "التواجد بالعمل المناسب، والهدوء في الوقت غير المتاح، والاستمرارية بذكاء وابهار"، وهنا مربط الفرس، فالفنان الذي يختار الظهور، لا من أجل الحضور فقط، بل من أجل التأثير، هو فنان يُراكم المجد دون صخب، ويصنع خطواته على أرضية صلبة لا تسقطها موجات الضجيج. هذه ليست مجرد نصيحة، بل خلاصة مشوار، منهج حياة، درب محفور بتأنٍّ وخبرة.
ثم يأتي الجزء الأكثر نضجًا ووضوحًا في المعنى: "قبول المناسب للأفكار واللائق من المتاح والمعروض"، وهنا، تسقط أسماء كثيرة أمام هذا الشرط... لأن اللائق ليس دائمًا مغريًا، ولأن المتاح قد لا يُشبع الطموح، لكن سيمون تُعلنها صراحة: لن أتنازل عن الاختيار الصحيح، لن أساوم على قيمة ما أقدم، فالفن مش مجرد رزق، الفن احترام... وهنا يأتي ذروة النص، حين تقول: "أما الأصعب، والأهم، والأبقى: الكرامة والاحترام للنفس... ومن الآخرين، فهو لا يُقدّر بثمن، ولا يضاهيه جمال، ولا فرص"، وبهذه العبارة ترسم خط النهاية: القيمة الحقيقية للفنان ليست فيما يملكه، بل في ما لا يُشترى... كرامته.
منشور سيمون ليس مجرد كلام، هو بيان حقيقي عن الفن كما يجب أن يكون، الفن الذي يُنتج الوعي، ويُحافظ على الذوق، ويرتقي بالروح، وهو أيضًا رسالة لكل من فقد بوصلته في بحر الشهرة، ولكل من ظنّ أن السوشيال ميديا بديل عن التجربة، أن البريق يغني عن الجوهر، أن التريند يصنع إرثًا. سيمون أثبتت بكلمات قليلة أنها تعرف تمامًا من تكون، وأنها ما زالت تمشي بخطى ثابتة، هادئة، راقية، في مشوار طويل ليس فيه مجال للضجيج ولا للعشوائية، بل للصدق، والنبل، والاختيار الذكي.
واللافت في المنشور أنه لم يكن موجّهًا لأحد بعينه، لكنه في الحقيقة كان موجهًا للجميع... للزملاء، للجمهور، للإعلام، وللزمن نفسه، كان صرخة ناعمة في وجه الإسفاف، وكان تلويحة شامخة لمن ما زال يحترم الفن. وهاشتاجاتها البسيطة في النهاية، سيمون كن_إيجابي اللي_زينا العمل_بهدوء، لم تكن شعارات، بل مفاتيح حقيقية لفهم شخصيتها ومبدئها: فنانة تؤمن بالإيجابية، تنتمي لمن يشبهونها في الرقي، وتؤمن بالعمل في صمت، لأن من يملك الجوهر، لا يحتاج أن يصرخ ليُرى.
في النهاية، لا يسعنا إلا أن نقول: سيمون ليست فقط صاحبة مشوار، بل صاحبة رسالة، وحضورها على الساحة اليوم بهذا الوعي وهذه القوة، هو درس مفتوح لكل من اختار الفن طريقًا... الفن ليس ضوءًا يُسلَّط، بل وهج داخلي لا يخبو، وسيمون... من القليلات اللواتي ما زلن يحملن هذا الوهج.
التعليقات الأخيرة