وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام
وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله ذي الجلال والإكرام حي لا يموت قيوم لا ينام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك الحليم العظيم الملك العلام، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله سيد الأنام والداعي إلى دار السلام صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان، ثم أما بعد فيا عباد الله، إن من أعظم نعم الله تعالي علي الإنساء هي نعمة الماء، وإن لأهمية الماء فقد جاء الأمر بالمحافظة عليه، وعدم الإسراف، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على سعد وهو يتوضأ، فقال له " ما هذا السرف؟" قال أفي الوضوء إسراف؟ قال " لا تسرف ولو كنت على نهر جاري" وأنه تظهر الحضارات، وتزدهر الأماكن عند البحار والأنهار، وذلك لحاجة الناس للماء، ولأنه عبر مياهها تسير السفن الناقلة لحاجيات الناس.
وقد قال الله تعالى ممتنا على عباده ومذكرا لهم بنعمه " وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام " وقال مجاهد ما رفع قلعه من السفن فهو منشآت، لعظيم حاجة الناس للمطر وتشوفهم لنزوله ضرب الله بالماء أمثالا متعددة في القرآن، فلقد شبه الله الدنيا بالماء في آيات كثيرة، حيث قال تعالى " واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله علي كل شيء مقتدرا " وجوامع التشبيه بينهما متعددة، ومنها أن الماء ليس له قرار وكذا الدنيا، وقيل لأن الماء إن أمسكته نتن وتغيّر لونه وطعمه، وكذلك الدنيا لمن أمسكها بليّة، أي من البلايا وهي فتنة ومصيبة، وقيل لأن الماء يأتي قطرة قطرة ويذهب دفعة واحدة، وكذلك الدنيا، والماء طبعه النقصان وكذلك الدنيا، ومن التشبيهات أن جعل الله من أدلة البعث
هو إحياء الأرض بعد موتها بالمطر، فقال الله تعالى " ومن آياته أنك تري الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحي الموتي إنه علي كل شيء قدير " ومن التشبيهات أن الله تعالي شبّه نور الوحي وتلقّي القلوب للوحي بالماء وإستقبال الوادي له، فقال الله تعالى كما جاء في سوة الرعد " أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال " فلقد شبّه الله تعالي الماء بالوحي، والأودية بقلوب الناس، فبحسب ما يتسع القلب يتسع لنور الوحي، وكذا مجرى الوادي بحسب سعته وعمقه يحمل من ماء المطر ويحفظه، ثم إنه في طريق الحق تكون شبهات وشهوات.
تنتفخ وتنتفش محاولة إخفاء الحق كما أن الوادي إذا سال يحمل معه الغثاء فينتفش وتكون زبدا ولكن لا يلبث الباطل أن يخنس ويختفي كالزبد يختفي ويبقى الماء ونفعه للأرض، فكم حارب الإسلام من محارب وعاداه من معاد، ولكن صدق الله العظيم كما قال في سورة التوبة " يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبي الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون " ومن التشبيهات تشبيه رسول الله صلى الله عليه وسلم العلم ونور الوحي، وتلقي الناس بالغيث، وتلقي الأرض له، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا، فكانت منها طائفة طيبة، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا.
وأصاب طائفة منا أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه بما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" فأين أنت من هذا الوحي؟ وهل تعلمت وعملت ونشرت دعوة الإسلام أم اقتصرت على نفسك ونفعها أو أعرضت عن دين الله ونسيناه؟ ومن نسي الله نسيه الله.
التعليقات الأخيرة