العشائر العراقية: من الأعراف الأصيلة إلى معضلة النفوذ السياسي بعد 2003
العشائر العراقية: من الأعراف الأصيلة إلى معضلة النفوذ السياسي بعد 2003
إعداد/الكاتب والباحث/ عدنان صگر الخليفه
مقدمة نظرية: إطار روبرت كوبر لفهم عالم ما بعد الحداثة
لقد مثلت العشائر العراقية تاريخيًا ركيزة أساسية للمجتمع، وكياناً اجتماعياً ذا نفوذ لا يستهان به، يتجاوز الزمان والمكان. لكن بعد عام 2003، شهد العراق تحولات جذرية أفرزت ظاهرة معقدة من تسييس العشائر وتداخلها مع السلطة. لفهم هذه التحولات، يمكننا الاستعانة بالإطار التحليلي للمفكر روبرت كوبر الذي يقسم العالم إلى ثلاثة أنواع من الدول: دول ما قبل الحداثة، وهي الدول التي انهارت فيها المؤسسات المركزية وساد فيها حكم القوى التقليدية مثل العشائر والفصائل المسلحة. ودول الحداثة، وهي الدول القومية التقليدية التي تسعى للحفاظ على سيادتها ومصالحها الوطنية. وأخيراً، دول ما بعد الحداثة، وهي الدول الغربية المتقدمة التي تخلت عن السيادة الكاملة لصالح القانون والتعاون المشترك. من خلال هذا الإطار، يمكننا فهم "معضلة النفوذ" في العراق، وكيف أن انهيار الدولة المركزية دفع بالمجتمع العراقي نحو حالة "ما قبل الحداثة"، مما سمح للقوى التقليدية (العشائر) وغير التقليدية (الفصائل المسلحة) باستعادة قوتها، لكن هذه المرة ضمن سياق سياسي جديد ومعقد.
العشائر العراقية: من دولة "حداثة" منهارة إلى واقع "ما قبل الحداثة"
قبل عام 2003، كان العراق دولة قومية (دولة حداثة) ذات سلطة مركزية قوية، حيث كان القانون الوضعي هو المرجعية العليا. كانت العشائر موجودة كقوة اجتماعية، لكنها كانت خاضعة لسلطة الدولة. بعد سقوط النظام، انهار جهاز الدولة المركزي، مما أدى إلى تحول العراق إلى حالة "ما قبل الحداثة". في هذا الفراغ الأمني والإداري، عادت القوى التقليدية (العشائر) للظهور بقوة ككيانات أساسية توفر الأمن والعدالة لأبنائها، مستعيدة نفوذها على حساب القانون الوضعي للدولة. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل برزت كذلك الفصائل المسلحة التي استغلت الفراغ الأمني لتصبح فاعلاً رئيسياً على الأرض. لقد تغلغلت كل من العشائر والفصائل في النظام السياسي الجديد الذي كان يُفترض به أن يكون "حديثاً"، فأصبحت ترى أنه يجب أن توصل أفرادًا منها إلى المناصب السياسية والحكومية لتتمكن من بسط نفوذها وقوتها على الآخرين. هذا التداخل بين نظام "ما قبل الحداثة" (العشيرة والفصائل) ونظام "الحداثة" (الدولة) هو ما أفرز معضلة النفوذ السياسي، وأدى إلى تآكل مفهوم المواطنة لصالح الولاءات الضيقة، وتزايد ظاهرة "الدكة العشائرية" وانتشار السلاح خارج سيطرة الدولة.
الضغط الروسي: تداخل منطق "الحداثة" مع "ما بعد الحداثة"
في سياق آخر، يشهد العالم نموذجاً آخر من النفوذ السياسي، وهو الضغط الذي تمارسه روسيا على الدول الأوروبية بخصوص قضايا الأمن والسيادة، خصوصاً في ظل الأزمة الأوكرانية. من منظور كوبر، يمكن تفسير هذا المشهد كالتالي: روسيا هي دولة "حداثة" بامتياز، فهي تركز بشكل مطلق على مصالحها الوطنية الأمنية، وتتعامل مع التهديدات الوجودية بمنطق القوة والمواجهة. في المقابل، تعد ألمانيا ودول الاتحاد الأوروبي دولاً "ما بعد الحداثة" بامتياز، حيث تسعى للحلول الدبلوماسية والتعاون الدولي، وتفضل العقوبات على الخيار العسكري المباشر. يُمثل الضغط الروسي محاولة من دولة "حديثة" (روسيا) لإقناع دول "ما بعد حداثة" (أوروبا) بأن تتخلى عن أدواتها الدبلوماسية وتتبنى منطق القوة الذي يخدم مصالحها الوجودية. هذه المحاولة تتجلى بشكل خاص في استغلال روسيا لنقاط الضعف الاقتصادية (مثل ملف الطاقة) لتقويض السياسات المشتركة، وإظهار أن المنطق التقليدي للقوة لا يزال هو الفاعل الرئيسي في العلاقات الدولية.
مقارنة بين نموذجي النفوذ: دروس من العراق وروسيا
إن كلا المشهدين، القوى المحلية في العراق والضغط الروسي على أوروبا، على اختلاف سياقيهما، يكشفان عن حقيقة مشتركة. ففي العراق، نشهد صراعاً بين قوى "ما قبل الحداثة" (العشائر والفصائل المسلحة) وقوانين الدولة الحديثة، بينما في حالة روسيا، فهو صراع بين منطق "الحداثة" (الأمن القومي) ومنطق "ما بعد الحداثة" (الدبلوماسية والحلول المتعددة الأطراف). في كلا الحالتين، نشأت ظاهرة نفوذ قوية تعمل خارج نطاق القانون الرسمي للدولة أو الأعراف الدبلوماسية الدولية، سواء كانت "الدكة العشائرية" وانتشار السلاح خارج سلطة الدولة في العراق، أو الضغط على سياسات دولة أخرى. وقد استغلت القوى المحلية في العراق ضعف الدولة، بينما استغلت روسيا التناقضات الداخلية والاعتماد الاقتصادي في السياسات الأوروبية لصالحها.
خاتمة
إن تحليلنا لظاهرة النفوذ السياسي في العراق وروسيا من منظور روبرت كوبر يؤكد أن التحديات التي تواجه الدول الحديثة ليست مجرد قضايا داخلية أو خارجية، بل هي صراعات بين أنماط مختلفة من الحكم والنفوذ. فالعشائر العراقية والفصائل المسلحة التي تغلغلت في نظام الحكم بعد 2003، والضغط الروسي الذي يوجه سياسات القوى الكبرى، كلاهما يمثلان تحدياً لسلطة القانون والدبلوماسية. يظل التحدي الأكبر يكمن في كيفية استعادة هيبة القانون وسيادة الدولة الحقيقية في مواجهة هذه القوى التي تعمل خارج إطارها، سواء كانت قوى تقليدية أو غير تقليدية محلية أو نفوذاً سياسياً خارجياً.
التعليقات الأخيرة