حكمة الصفعة: حكاية شعبية تفكك تعقيدات السياسة العراقية بعد 2003
حكمة الصفعة: حكاية شعبية تفكك تعقيدات السياسة العراقية بعد 2003
بقلم/ عدنان صگر الخليفه
تبدأ القصة في زمن الاحتلال البريطاني للعراق، حيث تُروى حكاية عن فلاح عراقي بسيط، لا يملك من حطام الدنيا شيئًا سوى كرامته. في أحد الأيام، حاول ضابط بريطاني الاعتداء عليه، لكن الفلاح سبقه بصفعة قوية على وجه الضابط. كانت صفعة مدوية، لم تكن مجرد رد فعل، بل كانت صرخة كبرياء في وجه المحتل.
أُلقي القبض على الفلاح، واشتكى الضابط المهان لرتبة أعلى منه. وبدلاً من أن يأمر الضابط الكبير بمعاقبة الفلاح، أمر الضابط المعتدى عليه أن يدفع للفلاح مبلغًا من المال ويطلق سراحه. استغرب الضابط الشاب من القرار وسأل كيف يمكنه أن يعطي المال لمن أهانه؟ أجابه الضابط الأعلى بحكمة: "بعض المعارك يجب أن نتجنبها حتى نحقق النصر الأكبر، فهذا الرجل يمثل عشيرته، ولو عاقبناه لتحولت صفعة واحدة إلى ثورة".
وبالفعل، بدأ الضابط الشاب بإرسال الأموال لهذا الفلاح، لم يكن الفلاح يعلم الهدف الخفي، بل كان يظن أن هذا المال هو تعويض عن إهانة المحتل. وبمرور الوقت، أصبح الفلاح ثريًا، وتحول إلى رجل أعمال يمتلك النفوذ، بفضل الأموال التي كان يتلقاها من الضابط الإنجليزي.
وفي يوم من الأيام، استدعى الضابط الأعلى رتبةً جميع أعيان المدينة، وطلب من الضابط الشاب أن يحضر الفلاح الغني. وقف الفلاح أمامهم، وقد اعتلى الثراء وجهه، فأمره الضابط الشاب بأن يصفعه أمام الجميع. هذه المرة، لم يرد الفلاح الصفعة. لم تكن هناك أي صرخة كبرياء أو تحدٍ، بل انحنى رأسه بصمت مطأطئًا، فقد كان يعلم أنه لا يملك شيئًا ليخسره عندما كان فقيرًا، ولكنه الآن يملك كل شيء ليخسره.
الفلاح كسياسي عراقي: تشبيه يفكك الواقع
في هذا السرد العميق، يمكن قراءة القصة كتشبيه لما يراه البعض في السياسة العراقية بعد عام 2003. الفلاح الفقير يمثل السياسيين العراقيين الذين دخلوا الساحة بعد سقوط النظام، وكانوا يحملون في البداية شعارات المقاومة والدفاع عن الشعب. كانت الصفعة الأولى رمزًا لذلك التحدي والشرف الذي كان يفترض أن يتبنوه.
أما الأموال التي بدأ الفلاح يتلقاها، فتمثل، في هذا التشبيه، الفساد ونهب مقدرات العراق التي تغلغلت في أروقة الحكم. وبفضل هذه الأموال، تحول بعض هؤلاء السياسيين إلى رجال أعمال يملكون النفوذ، تمامًا مثل الفلاح في القصة.
صفعة الخضوع: ثمن المال والسلطة
تأتي ذروة المقارنة في المشهد الأخير. عندما يتلقى الفلاح الصفعة الثانية بصمت، فإن ذلك يمثل، كما يرى البعض، حالة الخضوع والولاء للقوى الخارجية التي دعمتهم. لقد فقد هؤلاء السياسيون استقلاليتهم وكرامتهم، وأصبحوا يأتمرون بأمر من منحهم تلك الأموال والنفوذ، حتى وإن كان ذلك على حساب مصالح الشعب العراقي.
هذه القصة، إذن، ليست مجرد حكاية من التاريخ، بل هي مرآة تعكس تحولاً من الكرامة إلى الاستسلام، ومن الدفاع عن الشعب إلى خدمة المصالح الشخصية، وهي تترك سؤالاً مفتوحًا: هل يمكن للمال والسلطة أن يضعفا روح المقاومة، ويدجن من كانوا يومًا رموزٱ للشرف والتحدي كما يدعون؟
التعليقات الأخيرة