مصر والعراق... نفس واحدة فرقتها السياسة
مصر والعراق... نفس واحدة فرقتها السياسة
بقلم/ عدنان صگر الخليفه
لطالما كانت العلاقة بين الشعبين المصري والعراقي مثالًا فريدًا على الترابط المتجذر في التاريخ والثقافة. فبعيداً عن جغرافية المكان، يربط الشعبين خيط من الأصالة لا ينقطع، حتى وإن بدت بعض الأزمات السياسية وكأنها تخلق فجوة بينهما. إن هذه العلاقة المعقدة تظهر بوضوح أن الشعبين يمثلان "نفسًا واحدة" في جوهرها، بينما كانت القرارات السياسية للقادة هي العامل الأساسي الذي أحدث بعض التباعد.
تتقاسم مصر والعراق إرثًا حضاريًا لا مثيل له في العالم. فكلا الشعبين ورثة لحضارات وادي النيل وبلاد الرافدين، التي أسست الكتابة والعلوم والقوانين، مما يمنحهما شعورًا عميقًا بالفخر. هذا الاعتزاز الحضاري، الذي يمكن وصفه بالـ "نرجسية الإيجابية"، هو سمة مشتركة تجعل كل شعب يرى في الآخر مرآة لتاريخه العظيم. وكما يمثل نهر النيل شريان الحياة في مصر، فإن نهري دجلة والفرات يمثلان الروح النابضة للعراق، مما يرسخ فكرة التوأمة بين حضارتين قامت على فيض الأنهار.
على المستوى السياسي، لعبت مصر والعراق دورًا رياديًا في تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945، سعيًا منهما لتوحيد الصف العربي. لم يقتصر دور البلدين على التأسيس، بل امتد إلى المشاركة الفعالة في الدفاع عن قضايا الأمة العربية، سواء على المستوى العسكري أو السياسي. هذه المشاركة التاريخية في الحروب والأزمات أكدت على وجود مسؤولية قومية مشتركة يشعر بها كلا الشعبين.
شهدت فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي ذروة الترابط بين الشعبين. فمع الطفرة الاقتصادية في العراق، استقبلت البلاد مئات الآلاف من العمال المصريين في مختلف القطاعات، مما أدى إلى نشوء علاقات عمل وشراكة، بل ووصل الأمر إلى الترابط الأسري والاجتماعي عبر الزيجات المتبادلة. كانت هذه الفترة شاهدًا على أواصر إنسانية عميقة، حيث كان الشعبان يتفاعلان بشكل يومي بعيدًا عن أي حواجز.
يتشابه النسيج الاجتماعي في البلدين بشكل لافت، خاصة في المناطق الريفية والقبلية. فالأعراف العشائرية في صعيد مصر ووسط وجنوب العراق تتقاسم ذات القيم: احترام الكبير، والالتزام بكلمة الشرف، والاعتزاز بالكرامة. هذا التشابه يتجلى في أدق القضايا العائلية والشخصية، حيث تتشابه طريقة حل النزاعات وطرائق تنظيم الحياة الاجتماعية، مما يؤكد أن الروابط بينهما ليست مجرد علاقة سطحية، بل هي متأصلة في القيم الإنسانية.
في جوهر الأمر، تكمن الفروقات بين الشعبين في القرارات السياسية التي اتخذها القادة في بعض المراحل التاريخية. هذه القرارات، التي بدأت بالتأثير على العلاقات في مطلع التسعينيات، ما زالت تلقي بظلالها على التفاعل اليومي. فبينما يجد المواطن المصري والعراقي نفسه أخًا لأخيه في أي بقعة من العالم، فإن بعض الإجراءات السياسية والأمنية التي تتخذها الحكومات، مثل الإجراءات في المطارات، تخلق حاجزاً غير مرغوب فيه. هذا التناقض يثبت أن الشعبين يتبنيان نهجًا أخويًا، بينما تتبنى السياسة نهجًا قد يكون مغايرًا.
إن ما يجمع بين الشعبين المصري والعراقي أكبر بكثير مما يفرقهما. فبينما يمكن للقرارات السياسية أن تخلق فجوة مؤقتة، فإن الروابط التاريخية والثقافية والإنسانية تظل هي الأساس. هذا النقاش يؤكد أن الشعبين يمثلان "نفسًا واحدة" متجذرة في التاريخ، وأن هذه الروابط الحميمة ستظل أقوى من أي محاولة للتباعد.
التعليقات الأخيرة