أوهام التغيير في العراق: كيف يُعيد نظام المحاصصة إنتاج نفسه؟
أوهام التغيير في العراق: كيف يُعيد نظام المحاصصة إنتاج نفسه؟
بقلم/ عدنان صگر الخليفه
في المشهد السياسي العراقي، تظهر بين الحين والآخر تيارات سياسية جديدة تحمل شعارات براقة بالإصلاح والتغيير، وتعد ببناء "دولة ذكية" أو "بديل" حقيقي للواقع المتردي. لكن هذه الوعود تصطدم بحقيقة مرة: نفس هذه التيارات تختار الدخول في العملية السياسية التي تقر بأنها فاسدة وغير قادرة على تحقيق أي إصلاح. هذا التناقض الجوهري يثير تساؤلات حول جدوى هذه الشعارات ودوافع أصحابها، ويكشف عن آليات خفية يعمل بها النظام للحفاظ على بقائه.
إن جوهر المشكلة في العراق لا يكمن في فساد الأفراد، بل في بنية النظام نفسه. فالمحاصصة ليست مجرد توزيع للحقائب الوزارية على الكتل السياسية، بل هي منظومة متكاملة تسيطر على جميع مفاصل الدولة. هذه المنظومة تتغلغل داخل الوزارات والهيئات المستقلة، حيث يتم تعيين وكلاء ومديرين عامين موالين للأحزاب، لا للوزير أو للدولة. هذا التغلغل يخلق نظاماً من الولاءات المتضاربة وشبكات المصالح التي تجعل أي محاولة للإصلاح من الداخل محكومة بالفشل. هذا النظام، الذي تم تصميمه للحفاظ على التوازنات القائمة، هو السبب في انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات، التي لم تتجاوز 20% في عدة دورات. هذه النسبة هي المؤشر الأقوى على أن الأغلبية الساحقة من الشعب قد فقدت الأمل في التغيير من خلال صندوق الاقتراع، بعد أن رأت أن النتيجة دائماً هي إعادة إنتاج نفس الوجوه والبرامج. المشاركة تقتصر على "الجمهور الثابت" الذي يمثل المستفيدين من المحاصصة، مما يجعل الانتخابات أداة لتثبيت النظام، وليس لإحداث أي تغيير حقيقي.
لمواجهة هذا الرفض الشعبي، تلجأ الأحزاب التقليدية إلى استراتيجيات معقدة. إحدى هذه الاستراتيجيات هي إنشاء كيانات سياسية "مستقلة" أو "مدنية" من رحمها، لتمتص غضب الـ 80% الرافضين. هذه التيارات تستخدم شعارات "التغيير" و"الوطنية" لكسب ثقة المواطنين، لكنها في النهاية تندمج في نفس منظومة المحاصصة والتوافقات. الأدهى من ذلك هو استخدام التلاعب العاطفي، مثل استغلال مناسبات حساسة كالزيارة الأربعينية لإثارة الفتن الطائفية عبر "عصابات" تخدم كافة الطبقة السياسية. هذه الأفعال لا تهدف إلى خدمة أي طرف، بل إلى إشغال المجتمع العراقي بالصراعات الداخلية وتشتيت غضبه بعيداً عن محاسبة المنظومة الفاسدة بأكملها.
إن كل هذه الآليات والممارسات تُظهر أن النظام السياسي في العراق ليس مجرد منظومة فاسدة، بل هو منظومة مُحصّنة ضد أي محاولة للإصلاح من الداخل. هذه المنظومة تنجح في كل مرة في استيعاب كل تيار جديد، وتغيير أولوياته من الإصلاح إلى المشاركة في المغانم. في ظل هذا الواقع، لا يمكن تفسير دخول أي تيار جديد للعملية السياسية إلا بالرغبة في الحصول على نصيب من الكعكة، وليس بالسعي لتحقيق التغيير الذي يدرك هو نفسه أنه مستحيل في ظل هذه الظروف. ولهذا، فإن الحل الوحيد الذي من الممكن أن يخلص العراق من هذا المنعطف الخطير لا يكمن في إعادة تشكيل المنظومة، بل في تنظيم الشعب لنفسه. إنها دعوة لبناء بديل حقيقي نابع من إرادة الشعب، لا من رحم المنظومة الفاسدة، من أجل رسم طريق جديد يهدف إلى تغيير جذري وشامل يخرج العراق من هذه الدائرة المغلقة.
التعليقات الأخيرة