news-details
مقالات

من ساحات المواجهة إلى استراتيجية البناء الصامت

من ساحات المواجهة إلى استراتيجية البناء الصامت


بقلم/ عدنان صگر الخليفه 

في زمن تزداد فيه قبضة السلطة وتتحول فيه الميادين إلى ساحات للقمع المباشر، يواجه الساعون للتغيير واقعًا جديدًا: أن الأدوات التقليدية للمطالبة بالحقوق قد فقدت الكثير من فاعليتها. لم تعد التظاهرات الحاشدة مجرد وسيلة للضغط على الحكومة، بل أصبحت هدفًا سهلًا للقمع المفرط، مما يفرض على الحراك الشعبي إعادة النظر في استراتيجيته وتوجيه طاقته نحو مسار أكثر حكمة ونجاعة.
لقد بات من الواضح أن المواجهة المباشرة في الشوارع لم تعد تحقق النتائج المرجوة، بل على العكس، أصبحت تكلفتها باهظة من أرواح ودماء، وتُستغل لتبرير المزيد من الإجراءات القمعية. هذا الواقع يفرض قناعة صريحة بأن الإصرار على النهج القديم هو استنزاف للطاقات لا يخدم قضية التغيير، بل قد يساهم في إضعافها وتشتيت صفوفها.
من هنا، يبرز التوجه نحو استراتيجية جديدة تقوم على "العمل كشكل من أشكال المقاومة". هذا النهج لا يعني التخلي عن المطالب، بل هو تحويل للجهود من المواجهة الصدامية إلى البناء المنهجي. إنه يعتمد على فكرة أن التغيير لا يقتصر على إسقاط الفساد، بل يمتد إلى بناء بدائل قوية ومؤسسات اجتماعية متينة. هذه الإستراتيجية تركز على إعادة توجيه طاقة الشعب نحو خلق واقع موازٍ لا يخضع لسلطة الفساد، ويصبح قوة اجتماعية حقيقية مستقلة.
إن قوة هذا المسار تكمن في قدرته على تحقيق نتائج ملموسة ومستدامة يصعب على أي نظام قمعي إيقافها. فبدلاً من التركيز على ردود الفعل الآنية، ينصب الاهتمام على بناء قاعدة صلبة من الوعي والترابط، مما يجعل من حركة التغيير كيانًا حيويًا ينمو ويتطور بصمت. هذا هو التغيير الذي لا يُفرض من الأعلى، بل ينمو من الأسفل، ويُشكّل مستقبلًا أكثر استقلالية وقوة من داخل المجتمع نفسه.
في الختام، إن الحكمة في زمن القمع لا تكمن في الصراخ بأعلى صوت، بل في البناء بأقصى قدر من الإرادة. فالتحرر الحقيقي لا يأتي فقط من المطالبة به، بل من صنعه خطوة بخطوة، وبناء قوته الذاتية التي تجعله قادرًا على الوقوف على قدميه دون الخضوع. إن الطريق إلى التغيير هو طريق العمل الدؤوب والمستمر، والذي لا يخشى الظروف بل يتكيف معها ليخلق من قلبها فرصة جديدة.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا