news-details
مقالات

*غاندي كما لم تعرفه من قبل: البطل أم العميل؟

*غاندي كما لم تعرفه من قبل: البطل أم العميل؟

*
ما نعرفه عن غاندي هو مجرد وجه واحد من وجهين، صورة وردية بُنيت بعناية على مدار عقود: الزعيم المسالم الذي جلس مع فقراء الهند، شاركهم معاناتهم في مسيرة الملح الشهيرة، وقدم للعالم كبطل غير عنيف قاد بلاده نحو الاستقلال. لكن وراء هذا البورتريه البهيّ، يكمن وجه آخر غالبًا ما يُغفل عنه، وجه مليء بالتناقضات والتساؤلات.
هناك من يرى أن غاندي لم يكن مجرد قائد وطني، بل أداة دقيقة في مخطط استخباراتي بريطاني. مهمة هذا الرجل لم تتوقف عند مطالبة شعبه بالسلام والوئام، بل امتدت إلى هندسة التوترات بين المجتمعات الهندية، بما يخدم مصالح الإمبراطورية. حين أدركت بريطانيا قوة المد الإسلامي في شبه القارة الهندية، وتنامي نفوذ المسلمين ثقافيًا وسياسيًا، كان تقسيم الهند حلاً استراتيجيًا لضبط هذا التمدد ومنع نشوء قوة موحدة قد تهدد مصالحها.
وفي قلب هذه اللعبة الكبرى، ظهر غاندي كبطل السلام، مسالمًا في الظاهر، لكنه، وفق هذا الطرح، كان يؤدي دورًا حاسمًا: تسهيل الانقسامات، وتهيئة الأرضية لصراعات طائفية راح ضحيتها مئات الآلاف. كانت النتيجة تقسيم الهند إلى دولتين: الهند ذات الأغلبية الهندوسية وباكستان الإسلامية، مع تدفق ملايين المسلمين شمالًا والهندوس جنوبًا، فيما عمت المآسي البشرية كل زاوية من شبه القارة.
وبعد إتمام المهمة التاريخية، أعلن الاستقلال، ولم يدم الزمن طويلًا قبل أن يغتال غاندي، تاركًا إرثًا مزدوجًا: صورة البطل الوطني، وواقع الانقسام الهندي-الباكستاني الذي لم تهدأ تداعياته حتى انفصال بنغلاديش عن باكستان في عام 1979.
في نهاية المطاف، يبقى غاندي رمزًا محيّرًا: بين الزعيم المسالم والعميل المخابراتي، بين السلم المخطط له والسياسة المدروسة بعناية، وبين التاريخ الرسمي الذي أعاد تشكيله، والتاريخ الخفي الذي يكشف عن لعبة أكبر بكثير من أي شخص واحد.

*الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي*

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا