النخب العراقية: من قيادة المجتمع إلى فراغ المشروع
النخب العراقية: من قيادة المجتمع إلى فراغ المشروع
بقلم عدنان صگر الخليفه
في كل مجتمع، تُعَدّ النخبة العقل المدبر والبوصلة التي توجه مسار التقدم. لكن في الحالة العراقية، أصبح المشهد مختلفًا تمامًا. فبدلاً من أن تبحث النخبة عن مشروع وطني شامل يخدم المجتمع، أصبحت غايتها الوحيدة هي الوصول إلى السلطة والمال، ليس كوسيلة للبناء، بل كغاية بحد ذاتها. وهذا التحول ليس مجرد مشكلة سياسية، بل هو كارثة ثقافية واجتماعية تتهدد وجود المجتمع بأكمله.
تستمد هذه النخب سلطتها واستمرارها من آلية أساسية: التجهيل الممنهج للمجتمع. فبدلاً من الاستثمار في التعليم كوسيلة لبناء جيل واعٍ وقادر على التفكير النقدي، يتم إضعاف المؤسسات التعليمية وتشويه الرسالة الإعلامية. يهدف هذا المنهج إلى خلق حالة من عدم الوعي، حيث يظل المواطن غارقًا في تفاصيل حياته اليومية ومشاكله المادية، غير قادر على تحليل الأسباب الحقيقية وراء معاناته. يصبح المواطن في هذه الحالة تابعًا، يبحث عن الأمان والمساعدات من نفس الجهات التي تسببت في إفقاره، مما يُحكِم قبضة هذه النخبة على مفاصل المجتمع.
إن الأمر لا يقتصر على النخبة السياسية وحدها. بل يمتد ليشمل النخب في كل فئات المجتمع: العشائرية، والأكاديمية، والمهنية، والعمالية. عندما تفقد هذه النخب رسالتها وتصبح همها الوحيد هو البحث عن الأمان المادي والحماية، فإنها لا تتردد في التنازل عن مبادئها والارتباط بأي جهة تضمن لها ذلك. هذه الانتهازية تخلق فراغًا فكريًا وأخلاقيًا هائلاً، حيث لا توجد أفكار أو مشاريع حقيقية يمكن أن توحد الشعب وتوجهه نحو مستقبل أفضل. وبدلاً من أن تكون هذه النخب مصدر إلهام وقيادة، تتحول إلى مجرد أدوات في أيدي من يملك النفوذ.
عندما لا يكون لدى النخبة مشروع، فإنها تعيش حالة من الفراغ الفكري وتفقد القدرة على الإبداع والتأثير الإيجابي. إن غياب المشروع الوطني هو الثمن الباهظ الذي يدفعه المجتمع، ويجعل من الصعب تحقيق أي تقدم حقيقي. وهذا الوضع هو ما تسعى تلك النخب إلى تكريسه، فهي لا تكتفي باستغلال هذا الفراغ، بل تعمل جاهدة على إيصال المجتمع إلى حالة اليأس التام، لتقنعه بأنه لا أمل في التغيير الذي يترقبه العراقيون للخلاص من الفراغ الأمني والخراب الاقتصادي والفساد في المنظومة السياسية.
التعليقات الأخيرة