الأخذ بالأسباب وعدم الكسل والركود
الأخذ بالأسباب وعدم الكسل والركود
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله أنشأ الكون من عدم وعلى العرش إستوى، أرسل الرسل وأنزل الكتب تبيانا لطريق النجاة والهدى، أحمده جل شأنه وأشكره على نعم لا حصر لها ولا منتهى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يرتجى، ولا ند له يبتغى، وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمدا عبد الله ورسوله الحبيب المصطفى والنبي المجتبى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على النهج واقتفى أما بعد في الحث عن العمل وعدم التواكل هناك قصة جميلة عن سلفنا الصالح في الأخذ بالأسباب وعدم الكسل والركود والإعتماد على صدقات المحسنين، ويروى أن شقيق البلخي، ذهب في رحلة تجارية، وقبل سفره ودع صديقه إبراهيم بن أدهم حيث يتوقع أن يمكث في رحلته مدة طويلة، ولكن لم يمضي إلا أيام قليلة حتى عاد شقيق ورآه إبراهيم في المسجد، فقال له متعجبا ما الذي عجّل بعودتك؟
قال شقيق رأيت في سفري عجبا، فعدلت عن الرحلة، قال إبراهيم خيرا ماذا رأيت؟ قال شقيق أويت إلى مكان خرب لأستريح فيه، فوجدت به طائرا كسيحا أعمى، وعجبت وقلت في نفسي كيف يعيش هذا الطائر في هذا المكان النائي، وهو لا يبصر ولا يتحرك؟ ولم ألبث إلا قليلا حتى أقبل طائر آخر يحمل له العظام في اليوم مرات حتى يكتفي، فقلت إن الذي رزق هذا الطائر في هذا المكان قادر على أن يرزقني، وعدت من ساعتي، فقال إبراهيم عجبا لك يا شقيق، ولماذا رضيت لنفسك أن تكون الطائر الأعمى الكسيح الذي يعيش على معونة غيره، ولم ترض أن تكون الطائر الآخر الذي يسعى على نفسه وعلى غيره من العميان والمقعدين؟ أما علمت أن اليد العليا خير من اليد السفلى؟ فقام شقيق إلى إبراهيم وقبّل يده، وقال أنت أستاذنا يا أبا إسحاق، وعاد إلى تجارته.
فهؤلاء قد فهموا الإسلام، عملا وتعبا، جهدا وبذلا، ولم يفهموا الإسلام تقاعسا ولا كسلا، ولا دعة ولا خمولا، وذلك لأن الإسلام رفع من شأن صاحب اليد العليا، ولا يريد لأتباعه أن يكونوا عالة على غيرهم، ومن عظمة الإسلام وروحه أنه صبغ أعمال الإنسان أيا كانت هذه الأعمال دنيوية أو أخروية بصبغة العبادة إذا أخلص العبد فيها لله سبحانه وتعالي، فالرجل في حقله والصانع في مصنعه والتاجر في متجره، والمدرس في مدرسته والزارع في مزرعته وغيرهم، وكل هؤلاء يعتبرون في عبادة إذا ما أحسنوا واحتسبوا وأخلصوا النية لله تعالي في عملهم، فالفرد مع أنه يعمل من أجل العيش والبقاء والحصول على زاد يقيم صلبه إلا أنه في عبادة لله سبحانه وتعالي، وهذا هو الفارق بين العامل المسلم الذي يرجو ثواب الآخرة قبل ثواب الدنيا.
بل إن الله تعالي جعل الضرب والسعي في الأرض جهادا في سبيل الله فقال تعالي كما جاء في سورة المزمل " وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله " وقال الإمام القرطبي في تفسيره لهذه الآية سوى الله تعالي في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال الحلال، فكان هذا دليلا على أن كسب المال بمنزلة الجهاد لأنه جمعه مع الجهاد في سبيل الله تعالي، وهذا ما أكده الرسول صلي الله عليه وسلم لأصحابه، بل إن الإسلام يذهب إلى أبعد من ذلك فيعد المعاشرة الزوجية طاعة وقربة وعبادة مع أن فيها مآرب أخرى للزوجين، وفي هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات بالنيات الصادقات، فالجماع يكون عبادة إذا نوى به قضاء حق الزوجة ومعاشرتها بالمعروف الذي أمر الله تعالى به، أو طلب ولد صالح.
أو إعفاف نفسه أو إعفاف الزوجة ومنعهما جميعا من النظر إلى حرام، أو الفكر فيه، أو الهم به، أو غير ذلك من المقاصد الصالحة، عباد الله " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون " فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكره على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
التعليقات الأخيرة