مقالة تحليلية: في جوهر الأزمة السياسية العراقية
مقالة تحليلية: في جوهر الأزمة السياسية العراقية
بقلم عدنان صگر الخليفه
2025/8/27
في مشهد سياسي يعج بالصراعات الظاهرية والاتهامات المتبادلة، ظهرت قضية "قائمة السفراء" التي وصفها الشارع بـ"قائمة العوائل" لتكون نقطة فاصلة كشفت عن حقيقة النظام السياسي في العراق. فبينما كان الخطاب الرسمي من قبل الحكومة والبرلمان يؤكد رفضه لها، تم تمريرها في النهاية، مما أكد أن ما يجري في الكواليس يختلف تماماً عما يُقال في العلن. لم تكن هذه الحادثة سوى دليل ملموس على أن النظام الحالي لا يحكمه التنافس السياسي، بل يحكمه توافق المصالح. فالخلافات التي تظهر على الشاشات بين الكتل السياسية لا تعدو كونها "مسرحية سياسية" تهدف إلى تضليل الرأي العام، حيث يجمع هذه الأطراف عقد ضمني غير مكتوب يهدف إلى حماية مكتسباتها التي حققتها بعد عام 2003، وأصبح الفساد في هذا السياق عاملًا موحدًا يربط بين كل الأطراف المستفيدة، مما يجعلها جميعاً في مركب واحد.
في ظل هذا الواقع، يغدو مفهوم المعارضة الحقيقية أسطورة؛ فلا وجود لها، فالأطراف التي ترفع شعارات الإصلاح وتكشف عن فساد الآخرين لا تهدف إلى تغيير المنظومة، بل إلى اكتساب مصالح شخصية وحزبية ضيقة. إنها تستخدم ورقة الفساد كأداة للمساومة والابتزاز السياسي، وتفضل البقاء في اللعبة على الانسحاب منها، لأن الانسحاب يعني فقدان النفوذ والمصالح. وهذا السلوك يؤكد أن هذه القوى ليست جزءًا من الحل، بل هي جزء لا يتجزأ من المشكلة نفسها، والدليل الأقوى على ذلك يكمن في عدم قيامها بخطوة حاسمة مثل الانسحاب من العملية السياسية في توقيت مؤثر، خاصة الآن وقبل الانتخابات، لإثبات أنها لا تسعى فقط للحصول على مقاعد، بل لفرض شروط جديدة للعبة السياسية.
ولا يمكن فهم هذا المشهد بمعزل عن الدور الحاسم للقوى الدولية والإقليمية، التي لم تكن مجرد متفرجة عليه، بل هي شريك أساسي في صياغته. فبعد عام 2003، ساهمت هذه القوى في بناء المنظومة السياسية على أسس تضمن لها السيطرة على مقدرات العراق. ورغم إعلانها عن عقوبات ضد شخصيات فاسدة، فإن هذا الاعتراف العلني لا يترجم إلى أي عمل حقيقي يهدف إلى تغيير النظام. فالتهديد بالفساد يصبح أداة ضغط تضمن لهذه القوى استمرار نفوذها، مما يثبت أن المنظومة الفاسدة ليست موجودة رغم إرادة الخارج، بل بفضلها.
هذا الواقع السياسي المعقد أدى إلى حالة من البرود واليأس لدى الشعب العراقي. فالأفراد لا يرون أي أمل في التغيير، خاصة بعد فشل الحركات الاحتجاجية السابقة في تحقيق أهدافها. هذا اليأس ليس عشوائياً، بل هو نتيجة منطقية لغياب بديل حقيقي يمكن للشعب أن يلتف حوله، مما يمنح المنظومة الفاسدة فرصة للبقاء والاستمرار دون مواجهة مقاومة جدية.
ولكسر هذه الحلقة المفرغة، لا يكمن الحل في الانتظار أو الشكوى، بل في إيجاد مشروع وطني حقيقي يلتف حوله العراقيون. هذا المشروع يجب أن يكون نابعاً من إرادة الشعب والنخبة الواعية، ويهدف إلى تغيير القوانين والأسس التي يقوم عليها النظام، وليس فقط تغيير الوجوه. وهذا المشروع يجب أن يكون مستقلاً، ويقبل فقط دعمًا أخلاقيًا من الخارج، لكي يتجنب التبعية التي كانت السبب في نشأة وتفشي الفساد في المقام الأول. هذا هو السبيل الوحيد لكي ينهض العراق من كبوته ويستعيد سيادته.
التعليقات الأخيرة