بقلم نشوة أبوالوفا "قدري" الفصل الثاني
بقلم نشوة أبوالوفا
"قدري"
الفصل الثاني
وهكذا مرت الأيام ...
في يوم ما كانت الكبيرة تحس بوعكة صحية، كانت شديده هذه المرة وكنت أنا بجوارها أعتني بها، فمن ضمن مهاراتي التمريض، وجدتها ليلًا تحتضني وتقول لي" تأكدي أن لا أحد يتنصت علينا"
وعندما اطمأنت قالت لي" يا وردة أنا أحضرتك من سوهاج، استغللت انشغال أمك في السوق وهي تتفحص قطعة قماش وأخذتك منها، كنت ترتدين قلادة ذهبية، افتحي الصندوق الموجود تحت السرير تجدينها، خذيها، إياكِ أن يراها ضرغام أو يأخذها منك سأساعدك على الهرب من هنا قبل أن أموت حتى لا ينالك ضرغام وسأ...."
ولم تكمل كلامها وماتت الكبيرة، ماتت لتتركني أتلظى بنيران حقيقة لم تكتمل،
سيصبح ضرغام الآمر الناهي بلا رادع، كان دائمًا يصرح برغبته في نيلي، فكنت أنا الحب كله ولا يمنعه عني سوى الشديد القوي كما كان يقول وها هي ماتت وتركتني لضرغام، لم يُضع ضرغام وقتًا في الإفصاح عن مخططه أبدًا، بعد دفن الكبيرة استدعاني ليبلغني أنى سأكون اليوم ملكه ويده اليمني وسآخذ مكان الكبيرة بجواره وسأكون المتوجة بجواره، وسأكون ملكة على عرش من ذهب، شرط أن أكون له بكامل إرادتي، وافقته لم أكن لأصرح برفضي، لكن طلبت أن يؤجل ذلك تكريمًا للكبيرة "فهل نكون سويًا وكبيرتنا لم تبرد تربتها بعد؟"
رفض وقال" الحي أبقي من الميت يا حلوتي، الليلة إما رضًا فتصيري الملكة أو غصبًا يا وردتي وتبيتي جارية"
سناء فقط كانت تعلم برفضي وأعطتني منومًا لأضعه له وأهرب، انفرد بي، حاولت التحجج بأي حجه لأضع له المنوم في المشروب الذي كان يشربه، لكنه للأسف رآني وصفعني وحاول اغتصابي فضربته بزجاجة المشروب على رأسه فسقط أرضًا ووجدت الدم ينساب من رأسه وهربت سريعًا، قاطع ذكرياتي هذه عامل القطار يطالب بالاطلاع على التذكرة، أصبحنا على مقربة من سوهاج، ذهبت للحمام وخلعت النقاب أبقيت على العباءة والطرحة، عندما عدت لمقعدي نظرت لي العجوز الجالسة أمامي نظرة مطولة تتفرس في ملامحي، فظننت أنها استهجنت خلعي للنقاب، لكن لم تتدخل، وظلت صامته تنظر لي نظرات متقطعة وكأنها تشبه عليّ.
عندما وقفنا للنزول ترنحت العجوز، وكانت تبدو مشوشه، سقطت تلك العجوز أرضًا، بحثت في حقيبتها عن عطر لأنعشها به فوجدت قلم السكري الخاص بها وخمنت أنه انخفاض في مستوى السكر، فأعطيت لها حلوى وجدتها بحقيبتها، بعد قليل استعادت تركيزها وأفاقت وشكرتني
قالت: هل أنت لوحدك يا صغيرة؟
- نعم.
تساءلت: إلى أين أنتِ ذاهبة؟
فصَمُتُ لم أعرف بما أجيب.
قالت بحنو: هل تتمين جميلك وتوصليني لمنزلي، لا تخافي مني أنا عجوز أعيش وحيدة لا أبناء لي، أقيم في نجع النجار يا بنيتي، وأرى أنك وحدك بالقطار هل هناك من أحد ينتظرك بسوهاج؟
- لا.
- إذن أين ستقيمين؟
- في فندق.
فقالت مستنكرة: فندق وحدك! وأنتِ بهذا الجمال، لا يا بنيه لقد انشرح قلبي لكِ، تعالي آنسي وحدتي ولا تخافي مما أنتِ هاربه منه سأجد لك حلًا.
فحاولت الاعتراض وقول أي شيء.
فردت: أنا عجوز حفرت الأيام في قلبي ووجهي تجاعيدها، ولم يخطئني حدسي أبدًا، وأنا أقسم أنك هاربه من شيء أو تختبئين من أحد لا تكابري وتعالي معي.
فطاوعتها فلقد أحسست بالاطمئنان لها، عرفتني على نفسها
- أنا الحاجة خضرا النجار من أكابر النجع، أرملة وحيده ليس لي أبناء، كنت في القاهرة لزيارة الحسين، عندما نصل المنزل سنتحدث عن كل شيء.
وصلنا النجع كل من يقابلنا يلقي علينا التحية لقد كانت محبوبه جدًا كما هو واضح كان الكل يسأل عني فكانت تخبرهم "بأنني الغالية بنت الغاليين"
وصلنا البيت، ڨيلا صغيرة على الطراز القديم، انتظرت أن يستقبلنا أحد ما، خادمة مثلًا.
كأنها أحست بي فقالت: أخبرتك أني أعيش وحدي هنا، على ذكرياتي مع زوجي المرحوم، لقد قُدرنا لبعضنا منذ أن ولدنا وارتبطنا سويًا بعقد الحب الصادق ثم الزواج، ولكنه قُتل غدرًا في أحد الخصومات الثأرية، وتركني وحيدة، رفضت المكوث في بيت أهلي أو أن أتزوج مرة أخرى، طاوعوني على مضض ولا تخلو موافقتهم من إلحاحهم أن أذهب للسُكني معهم في ڨيلتهم المجاورة، ولا خدم لي النجع كله يساعدني.
وضحكت
دخلنا إلى الڨيلا وما لبثنا قليلًا حتى وجدنا الجرس يرن لنجد إحدى النساء تحمل صينية على رأسها فأدخلتها، وضعتها على طاوله الطعام وقالت: بالهناء والشفاء يا حاجه أنتِ وضيفتك القمر، من هذه يا حاجة؟
ضحكت خضرا: لا شأن لك يا مستكة.
ونقدتها مالًا في يديها لم أعرف كم كان المبلغ، وسط محاولات للرفض من جانب تلك المستكة وإصرار من جانب الحاجة خضرا، حتى انتهى الأمر بقسم الحاجة خضرا بالله، وطبعًا لن تسقط مستكة يمين الحاجة خضرا فأخذت النقود.
- هذا الطعام أرسلته أختي منيرة لي.
تناولنا الغداء وقمت أنا بإعداد الشاي وخرجنا لنجلس في الحديقة، شيء ما بداخلي جعلني ألقي كل ما بجعبتي بين يدي الحاجة خضرا، فوجدت مشاعر متضاربة تظهر على محياها لكأنها كانت سعيدة بما أخبرتها به
قالت لي: لماذا رفضتِ عرض ضرغام مع أنه كان سيجعلك مكان الكبيرة؟
قلت لها: لم أستطع أبدًا أن أرتاح في معيشتي بالخرابة، دائمًا كان بداخلي توق لأن أغادرها وأن أترك كل المحرمات التي تعلمتها بها وأتوب إلى الله.
ضحكت وقلت: في الخرابة نحن نتعلم كل شيء طبعًا، ما عدا الدين لكني كنت أُعلم نفسي وأشاهد برامج دينية خلسة عنهم ودائمًا ما كنت أدعو الله أن يساعدني لأهرب من عالمهم ولأتغير.
أريتها القلادة وعندما رأتها انتفضت من مكانها وترقرقت عيناها بالدموع قائلة:
- يا الله أيعقل هذا يا رب بعد كل تلك السنوات، كرمك يا الله، يا بنيتي هل لديك وحمة علي ظهرك بشكل قلب حالك السواد بارز الحدود؟
قلت لها مندهشة: نعم كيف علمتِ؟
- أريني ظهرك.
ودخلنا لأريها الوحمة، وعندما كشفت لها ظهري
تهدج صوتها بالبكاء: يا الله شكرًا يا الله، أخيرًا ارتاح بالي بعد كل تلك السنوات، حقًا إن كرم الله لا حد له، إن تلك الوحمة السوداء التي تحمل شكل قلب دليل قاطع على أنك نور ابنه أختي.
احتضنتني وأنا في قمة ذهولي لا أصدق أبدًا أن أجد أهلي بعد تلك المدة، إن هذا لا يحصل سوى في الأفلام والروايات الخيالية.
تساءلت: هل أبي وأمي على قيد الحياة؟
أجابت وأنا ما زلت في حضنها: والدك توفي يا ابنتي منذ زمن، أما منيرة فليطل الله في عمرها، هيا بنا سنذهب لها.
كنت أسير معها أمسك يدها كطفل صغير لا أستوعب ما حدث أبدًا، إن ما يحدث معي يصلح كمسلسل تلفزيوني، هل حقًا سأرتاح؟ هل أنا تلك النور المزعومة؟ هل سيتقبلني هؤلاء المدعوون بأهلي؟ هل سيغفرون لي الماضي، أسئلة عديدة تتصارع برأسي، ولا إجابات لها، أفقت من دوامة تلك التساؤلات التي تجتاح رأسي على قولها: وصلنا.
نظرت لأجد سور عالي، تتوسطه بوابة كبيره بجوارها لافتة "ڨيلا النجار"
سارع الحراس بفتح البوابة: تفضلي يا حاجه خضرا تفضلي.
دخلنا إلى حديقة غناء، سرنا قليلًا فوجدت الفيلا، ڨيلا مهيبة، إنها ضخمة جدًا،
سارع الخدم لاستقبالنا وإخبار الحاجة منيرة بقدوم الحاجة خضرا ومعها ضيفة.
هلت علينا الحاجة منيرة، إنها فائقة الجمال فيها ملامح كثيره مني أقصد أنا ملامحي فيها الكثير منها، أنا في قمة الارتباك، الموقف صعب عليّ أنا غير مصدقة وكأني أحلم لم أعرف ماذا أفعل؟
احتضنت خضرا منيرة حضنًا طويلًا وكان الاضطراب واضحًا على خالتي خضرا
تساءلت منيرة: ما بك يا خضرا؟
ثم التفتت لي وقالت: مرحبًا بضيوف الغالية.
وسلمت عليّ وقبلتني واحتضنتني، لم أكن أريد الابتعاد عن حضنها لكنها ابتعدت برقة بعد أن نظرت لي نظرة غريبة، فبالتأكيد لاحظت الشبه بيننا، لكنها نحت اضطرابها جانبا فبالتأكيد لم يكن ليخطر على بالها أني ابنتها الضائعة.
- والآن خضرا ما بك؟
- هيا بنا للداخل لا أريد إخبارك هنا.
- حسنًا هيا للداخل، بإذنك ضيفتنا.
- لا ستأتي الضيفة معنا، الموضوع يخصها.
- حسنًا.
دخلنا الغرفة لتبادر خالتي بالقول: لن تصدقيني أبدًا يا منيرة.
- وكيف لا أصدقك يا خضرا! هيا أخبريني ماذا هناك؟ لقد أثرتِ قلقي.
أمسكت يدها: اجلسي أولًا، ما هو أكثر ما كنتِ تطلبين من الله يا منيرة؟
نظرت لي بحذر، فقالت خالتي: تحدثي أمامها.
فقالت: وهل هذا سؤال يا خضرا، عودة نور هو أكثر ما أتمنى وأريد والكل يعلم هذا.
قالت مبتسمه: وإن كان الله استجاب لك!
- حقًا يا خضرا حقًا!
أرتها خضرا القلادة فصرخت: إنها قلادة نور لا يوجد مثلها لقد صنعت خصيصًا لها كيف وجدتها؟
- أنا لم أجدها فقط، لقد وجدت القلادة وصاحبتها، بقدرة الله ورحمته، نور أمامك.
#نشوة_أبوالوفا
#nashwa_aboalwafa
التعليقات الأخيرة