النهي عن الإفساد في الأرض
النهي عن الإفساد في الأرض
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله المحمود بجميع المحامد تعظيما وثناء المتصف بصفات الكمال عزة وكبرياء، الحمد لله الواحد بلا شريك القوي بلا نصير العزيز بلا ظهير الذي رفع منازل الشهداء في دار البقاء وحث عباده على البذل والفداء أحمده سبحانه حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه فهو الأول والآخر والظاهر والباطن ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأئمة الكرام النجباء وسلم تسليما كثيرا أما بعد يقول الله تعالي في كتابه العزيز " ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها " وقال شيخ المفسرين الإمام أبو جعفر الطبري يعني تعالى ذكره بقوله تعالي " ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها " أي لا تشركوا بالله في الأرض ولا تعصوه فيها، وذلك هو الفساد فيها.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في الآية ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض، وما أضره بعد الإصلاح، فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد، ثم وقع الإفساد بعد ذلك، كان أضر ما يكون على العباد، فنهى الله تعالى عن ذلك، فالإفساد في الأرض يكون بعمل المعاصي " بعد إصلاحها " بالطاعات، فإن المعاصي تفسد الأخلاق والأعمال والأرزاق، كما قال الله تعالى " ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس " وكما أن الطاعات تصلح بها الأخلاق والأعمال، والأرزاق وأحوال الدنيا والآخرة، ومن الفساد الذي فشا بين العباد الفساد الإجتماعي ومن صورة عقوق الوالدين وقطيعة الرحم وعدم وصلها، ومن الفساد الإجتماعي التكبر والتعالي على الناس، والافراط في الفرح والأشر والبطر، وسفك الدم الحرام بغير حله من صور الفساد، ولذا قالت الملائكة.
" أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " وكما أن قتل النفس بغير حق من كبائر الذنوب، والسحر أيضا إفساد فقد سمى الله عز وجل فاعله مفسدا فقال تعالى " فلما ألقوا قال موسي ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين " وسمى الله عمل السحرة والسحر بأنه عمل المفسدين، وذلك لما يترتب عليه من فساد الأسر والتفريق بين الزوجين وخراب البيوت، ومن أسباب الفساد تأخير زواج الفتاة وعضلها ومنعها من كفئها وتغير معايير إختيار الخاطب بالنظر إلى وجاهته ومنصبه لا إلى تقواه وتدينه، ومن الفساد هو الغش في البيع والشراء، وكما أن من صور الفساد هو الإعتداء على الأموال والممتلكات العامة والخاصة والإختلاسات وقبول الرشوة وهدايا العمال وإستغلال المناصب للمصلحة الذاتية، وهذا كله فساد وخيانة للأمانة.
وقد وبخ النبي صلى الله عليه وسلم من يستغل منصبه وعمله في إستجلاب منافعه الخاصة، وفي هذا بيان أن هدايا العمال حرام وغلول لأنه خان في ولايته وأمانته، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم السبب في تحريم الهدية عليه، وأنها بسبب الولاية بخلاف الهدية لغير العامل، فإنها مستحبة، وروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي حميد الساعدي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " هدايا العمال غلول " فقد جعل صلى الله عليه وسلم أخذ هدايا العمال وأصحاب الولايات والوظائف من الغلول والخيانة، وفي هذا إبطال كل طريق يوصل إلى تضييع الأمانة بمحاباة المهدي، لأجل هديته كما ذكره أهل العلم، وكم يفتك الفساد والخيانة بالمؤسسات العامة والخاصة ومظاهره أكثر من أن تحصر، ففي التعليم يكون باللامبالاة بالغش وتزوير الشهادات.
وإنتحال الألقاب العلمية، فينتج جيل جاهل ألف الكسل والإتكالية ليس أهلا للقيادة وتصريف الشؤون، وفي الطب والدواء بالإهمال وسوء خدمة المرضى، وفي المقاولات والبناء بالغش والخداع في الأداء والعمل فتتعطل المصالح وتتضرر الأرواح، وليعلم أن تزوير التقارير والشهادات الطبية والعلمية والهندسية داخل في شهادة الزور وتضييع الأمانة.
التعليقات الأخيرة