news-details
مقالات

العراق: جمهورية الهشاشة وأزمة انعدام الثقة 2/ايلول/2025

العراق: جمهورية الهشاشة وأزمة انعدام الثقة
2/ايلول/2025


بقلم/عدنان صگر الخليفه 

لم يعد المشهد السياسي في العراق بعد عام 2003 مجرد حكاية عن التحول الديمقراطي، بل أصبح واقعاً معقداً من التناقضات الصارخة بين الشعارات البراقة وواقع الفساد المستشري. لقد وصل الوعي الشعبي إلى مرحلة متقدمة، حيث باتت المنظومة السياسية الحالية مكشوفة بالكامل، مما يكشف عن هشاشة بنيتها وغياب أي سند حقيقي لها.
إن الجوهر الحقيقي لأزمة الحكم في العراق يكمن في نظام المحاصصة الطائفية الذي أُسس عليه المشهد السياسي. هذا النظام لم يكن مجرد آلية لتقاسم السلطة، بل تحول إلى بنية عميقة للفساد، حيث أصبحت المناصب الحكومية والبرلمانية تُمنح على أساس الولاء الحزبي وليس الكفاءة. والأخطر من ذلك، أن هذه المناصب باتت سلعاً لها سعر معلوم يُشترى به الولاء السياسي. إن تحول التمثيل النيابي إلى مجرد استثمار تجاري، يعكس عمق الأزمة ويُفسر غياب أي إصلاح حقيقي، لأن النائب لا يكون مسؤولاً أمام ناخبيه، بل أمام من دفع ثمن مقعده.
تستخدم الأحزاب المتجذرة في هذا النظام شعار "الإصلاح والتغيير" كقناعٍ لاستهلاك الجماهير وامتصاص نقمة الشارع. فمن يتحدث عن الإصلاح من داخل هذه المنظومة يضع نفسه في تناقض حاد؛ هو يطالب بالتغيير بينما يشارك في نظام المحاصصة ويستفيد من امتيازاته. هذه الأحزاب تتقن ارتداء "الثياب البيضاء" لكسب ثقة الشارع، لكن تحت هذه الثياب، يختبئ "وحش" الفساد الذي يلتهم مقدرات الشعب ويُسهم في إفقاره. هذا الخطاب لا يهدف إلى الإصلاح، بل إلى إدامة حالة اليأس الشعبي وإيهام الناس بأن التغيير مستحيل، مما يضمن بقاء المنظومة الحاكمة.
يرفع بعض الساسة الكبار دعوات للحفاظ على ما يسمونه "مكتسبات" الشعب العراقي بعد عام 2003. لكن في الحقيقة، هذه المكتسبات ليست سوى مكاسب سياسية ومالية وشخصية للطبقة الحاكمة. ففي الوقت الذي يدعو فيه هؤلاء للحفاظ على ما حققوه لأنفسهم، يواجه الشعب العراقي نقصاً حاداً في أبسط الخدمات الأساسية، وانعداماً في الأمن، وواقعاً يسلبه حقه في العيش بحرية وكرامة. هذا التناقض يؤكد أن النظام لا يعمل لصالح المواطن، بل يعمل على الحفاظ على مصالح أصحابه.
بالرغم من كل الشعارات والأموال التي تُنثر، فإن الشعب العراقي قد وصل إلى مرحلة من انعدام الثقة الكامل بالعملية السياسية، وهو ما انعكس بوضوح في نسبة المشاركة المتدنية في الانتخابات، التي لم تتجاوز في كثير من الأحيان 20%. هذا العزوف ليس سلبية أو لا مبالاة، بل هو موقف واعٍ من قبل شعب أدرك أن الأصوات تُشترى وأن المؤتمرات تُملأ بالمال، ولهذا فقد ابتعد عن هذا المعترك. هذا الموقف ليس موقفاً استسلامياً، بل هو موقف "المتفرج المنتقم" الذي يعي أن الأنظمة التي تستبد به لا تستحق التضحية من أجله. فالتاريخ الحديث للعراق يثبت أن النظام الذي يسقط لا يحظى بدفاع شعبي، بل يكون مصيره الزوال السريع في غياب أي قاعدة شعبية حقيقية تسانده.
ما يزيد من هشاشة هذه المنظومة هو أنها باتت بلا حماة حقيقيين، لا من الشعب ولا من المنتفعين. فالمنتفعون من مكاسب هذه الأحزاب والفصائل المسلحة هم مجرد انتهازيين. إنهم متعددو الوجوه ومستعدون للتكيف مع أي نظام جديد للحفاظ على مصالحهم، ولن يضحوا بحياتهم من أجل منظومة لا يشاركون في مبادئها. والأهم من ذلك، أن المنتفعين لم يعودوا محصنين حتى بفضل انتماءاتهم العشائرية. فقد نصت قوانين وأعراف عشائرية موثقة على أن العشيرة لا تحمي ولا تلتزم بأي فرد من أبنائها إذا كان عمله خاصاً بالأحزاب أو الفصائل المسلحة. وهذا يعني أن هؤلاء الشخوص مسؤولون عن أفعالهم وحدهم، مما يتركهم عراة أمام أي مساءلة قادمة.
إن النظام السياسي العراقي الحالي هو منظومة هشة مبنية على الفساد والمحاصصة، وتفتقر إلى أي شرعية حقيقية أو دعم من أي طرف. ومع وعي الشعب وانعدام ثقته بهذه المنظومة، فإن المعادلة قد تغيرت. فالنظام لم يعد يملك قاعدة شعبية تدافع عنه، كما أنه يفتقر إلى قاعدة نخبوية تضحي من أجله، لأن حتى المنتفعين منه يدركون أن مصالحهم أهم من ولائهم له، بالإضافة إلى أنهم باتوا غير محميين من عشائرهم في حال وقوع أي تغيير. لهذا، فإن هذا النظام بات هشاً، ويفتقر إلى أي حماية حقيقية، لا من الداخل ولا من الخارج.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا