news-details
مقالات

الأثر البالغ في إيصال الغاية النبيلة

الأثر البالغ في إيصال الغاية النبيلة


بقلم / محمـــد الدكـــروري

الحمد لله، الحمد لله العزيز الغفار، يكوّر النهار على الليل، ويكوّر الليل على النهار، يعلم السر والجهر، وما في شواهق الجبال وأعماق البحار، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يخلق ما يشاء ويختار، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، المصطفى المختار، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آل بيته الطيبين الأطهار، وأزواجه أمهات المؤمنين الأخيار، وعلى أصحابه المهاجرين والأنصار، ومن سار على طريقهم واتبع هداهم ما تعاقَب الجديدان الليل والنهار، وسلم تسليما كثيرا ثم أما بعد إن من أراد لخطابه القبول عند الناس، والأثر البالغ في إيصال الغاية النبيلة فليجعله مبنيا على الإشفاق بالناس لا الإسفاف بهم، والحرص على إيصال المنفعة إليهم لا الإضرار بهم، وإحاطته بالرحمة لهم لا القسوة عليهم.





فبذلكم كانت خطابات سيد ولد آدم الذي أوتي جوامع الكلم صلوات الله وسلامه عليه، فالرحمة والرأفة والحرص على الناس صفات لا تجتمع في امرئ يحمل لسانه خطاب الكراهية، ولقد فهم أقوام معنى حرية التعبير فهما مقلوبا، لا يمت للحرية بصلة ولا هو من بابته في ورد ولا صدر، حتى إنهم جعلوا من أعراض الناس وحرماتهم وبواطنهم كلأ مباحا، ووردا مشاعا يصدر منه رعاء التحريض والسباب والتعيير، ويسقى منه المهوشون المشوشون وأغرار القيل والقال، واعلموا عباد الله أن خطاب الكراهية هو عنف لفظي، وإن الله تعالي يعطي بالرفق ما لا يعطي بالعنف، والله جل وعلا يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم " فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك " فخطاب الكراهية خطاب يفض ولا يجمع، يبعد ولا يقرب. 




ويفسد ولا يصلح، إنه كحصى الخذف، يفقأ العين ولا يقتل الصيد، وكما أن خطاب الكراهية كزبد السيل، يذهب جفاء ولا يمكث في الأرض، وما تلبث أحد بخطاب الكراهية إلا نفرت من وحشيتة أسماع العقلاء فكرهوا سماعَ قوله أو قراءة مقاله، إنه خطاب يحجز صاحبه في نطاق ضيق لا يرى فيه إلا نفسه، فلا مقام عنده لحسن ظن ولا لسعة خلاف، بل هو بركان هائج لا يقذف إلا بالحمم فلا تقع على شيء إلا أحرقته أو أذابته، وإن خطاب الكراهية سلوك المسف، وسلاح النزق، إنه تقيؤ لباطن متخم بالغل والغرور والتشفي والإنتصار الزائف، وخطاب الكراهية ليس مرضا وراثيا لا إرادة للمرء في رفعه، بل هو مركب من خليط مزاجي يغذيه فكر جانح، ونفس مضطربة، فهما جرثومة عالقة في الهواء تقع على كل نفس خلية من الخلق والعدل والإنصاف. 




ونموها في نفس المرء مرهون بقدر ما يحمله من مضاداتها بحيث يمكنه دفعها قبل وقوعها عليه، أو على أقل تقدير رفعها عنه بعد الوقوع، لكن الوقاية خير من العلاج لأنها أعمق وأسلم في التحصين من تلكم الجرثومة، وإذا عجز المرء عن تهذيب خطابه وصبغه بصبغة الرأفة والإشفاق ونصح الغير فإن آخر الدواء الناجع لصاحبه هو الصمت، كيف لا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" رواه البخاري، ومسلم، ألا إن من فضل الله تعالي على أمة الإسلام أن كانت بشريعتها الغراء أبعد ما تكون عن خطاب الكراهية، ولا عجب في ذلك، فقد قال الله عنها " وكذلك جعلناكم أمة وسطا " أي عدولا خيارا، فبالعدل يقسطون في القول والحكم على المخالف، وبالخيار يقسطون في العمل والأخلاق مع الغير، لكن الخلل الذي ينتاب مجموعها إنما هو نتيجة شرود عن إستحضار ذلكم الفضل وإلتزام مساره، فاعترى بعضهم العدول عنه إلى ما لا يحمد.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا