تأثير التحولات التكنولوجية على ثوابت الفقه الدستوري المصري من السلطة إلى الشبكة
تأثير التحولات التكنولوجية على ثوابت الفقه الدستوري المصري من السلطة إلى الشبكة
بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي بمحكمة النقض
تشهد المجتمعات المعاصرة تحولات جذرية بفعل التطور التكنولوجي المتسارع الذي بات يشكل واقعًا جديدًا تتداخل فيه الحدود بين السلطة والمجتمع وتتم إعادة تعريف مفاهيم الدولة والسيادة والمشاركة والمساءلة على نحو يفرض مراجعة شاملة لثوابت الفقه الدستوري التقليدي التي تشكلت في ظل نموذج الدولة المركزية القائمة على السلطة الهرمية وتطبيق القانون من أعلى إلى أسفل .
وفي السياق المصري فإن هذه التحولات تطرح تحديات جوهرية أمام الفقه الدستوري الذي يستند إلى مفاهيم مستقرة مثل وحدة السلطة واحتكار الدولة للمعلومة وهرمية التشريع والتمثيل النيابي بوصفه الوسيلة الوحيدة لممارسة السيادة الشعبية حيث بدأت هذه المفاهيم تتعرض لتآكل تدريجي بفعل صعود الفضاء الرقمي وانتقال مركز الثقل من مؤسسات الدولة إلى شبكات التواصل الاجتماعي التي باتت تمارس تأثيرًا فعليًا على الرأي العام وتوجيه السياسات العامة بل وتغيير موازين القوى داخل المجتمع دون الحاجة إلى المرور عبر القنوات الدستورية التقليدية .
وقد أدى ذلك إلى تفكيك البنية الكلاسيكية للفعل السياسي والحقوقي إذ لم يعد المواطن مجرد متلقٍ للقرار بل تحول إلى فاعل مباشر يستطيع من خلال أدوات التكنولوجيا الحديثة أن يشارك في صناعة القرار أو الاعتراض عليه أو حتى تغييره وهو ما انعكس على المفاهيم الدستورية من خلال إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع وبين السلطة والشرعية .
ومن هنا تظهر الحاجة إلى تطوير الفقه الدستوري المصري ليتناسب مع عصر الشبكة لا عصر السلطة المركزية من خلال إدماج مفاهيم جديدة مثل الديمقراطية الرقمية والحق في الوصول إلى البيانات وحرية التعبير الرقمي وحق المواطنين في الرقابة على الأداء العام من خلال المنصات التكنولوجية وليس فقط عبر صناديق الاقتراع كما أن التحولات التكنولوجية تفرض تحديات جديدة على ضمان الحقوق والحريات حيث لم يعد من الممكن الاكتفاء بالنصوص الدستورية التقليدية التي تحمي حرية الرأي أو الخصوصية دون أن تتضمن أدوات فعالة لحمايتها في الفضاء الإلكتروني كما أن رقابة المحكمة الدستورية العليا على التشريعات ينبغي أن تمتد إلى التحقق من مدى توافق القوانين المنظمة للفضاء الرقمي مع المعايير الدستورية الجديدة التي فرضها الواقع التكنولوجي المتغير .
ومن جانب آخر فإن الشبكة الرقمية تطرح إشكاليات جديدة تتعلق بمفهوم السيادة ذاته حيث باتت الدولة تواجه صعوبة في التحكم الكامل في تدفق المعلومات أو السيطرة على الحدود الرقمية وهو ما يستدعي تطوير نظرية السيادة لتأخذ في اعتبارها الفضاء الإلكتروني كجزء لا يتجزأ من المجال العام الذي يجب أن يخضع للقواعد الدستورية من حيث احترام الحقوق والحد من تغول السلطة وفي ظل هذا التحول من نموذج السلطة إلى نموذج الشبكة يصبح من الضروري إعادة صياغة العلاقة بين الحاكم والمحكوم بما يتوافق مع الواقع التكنولوجي الجديد حيث يتراجع الاحتكار المؤسسي للمعلومة وتتصاعد قوة الرأي العام الرقمي وتصبح الشرعية السياسية والدستورية مرتبطة بقدرة النظام على التفاعل مع ديناميات الشبكة لا فقط بقدرته على فرض القوانين ومن ثم فإن مستقبل الفقه الدستوري المصري يتوقف على مدى قدرته على فهم هذا التحول واستيعابه وتأطيره قانونيًا ودستوريًا بما يضمن تحقيق التوازن بين الانفتاح الرقمي وحماية النظام الدستوري من التآكل أو الانفلات .
التعليقات الأخيرة