news-details
مقالات

بين الحكم على النفس والحكم على الآخرين

بين الحكم على النفس والحكم على الآخرين

 

بقلم: د. إيمان فوزي

 

في الآونة الأخيرة شاع بين الأجيال لفظ أجنبي يصفون به من يكثر إصدار الأحكام على الآخرين وهو كلمة judgmental وكأنهم اكتشفوا ظاهرة جديدة مع أن هذه القضية قديمة قدم الإنسان فقد عالجها القرآن الكريم منذ قرون حين قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرًا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون» والمشكلة ليست في المصطلح بل في ميل النفس إلى تنصيب ذاتها قاضيًا على الآخرين متناسية أن الله وحده هو العليم بالسرائر والخبير بالنيات فالعيب على الغير سهل أما محاسبة النفس فشاقة لذلك يهرب الكثيرون إلى الحكم السريع متخذين من المظاهر الخارجية مادة لأحكام صارمة وكأنهم يملكون مفاتيح الغيب وكثيرًا ما نرى سيدة فضلت الانفصال عن زوجها فنحكم عليها بأنها لم تراع بيتها وأولادها ولم تغلب مشاعر الأمومة على مصالحها الشخصية ونغفل أن قرارها قد يكون نابعًا من ظروف لا نعلمها أو من محرك خفي كأن تكون مضطرة للانفصال حتى تستطيع الحصول على معاش والدها لتنفق منه على أبنائها فهل بعد ذلك يجوز لنا أن نصدر حكمًا مطلقًا على حياتها ونحن لا نعلم خفاياها إن القاضي لا يحكم إلا بامتلاك كل المعطيات ولا يقضي بالمظاهر أبدًا ومن يحكم بالمظاهر وحدها فهو ظالم وأنت لست قاضيًا لأن الحكم عدل والعدل لا يكون إلا لله أما أنت فبشري محدود المعرفة ولا تملك أدوات الحكم الحق فلتنشغل بعيوب نفسك وتحاول إصلاحها فهذا أجدر وأرقى من التفرغ لعيوب الآخرين وحين تدرك أن المحاسبة الحقيقية مؤجلة إلى يوم يعرض الناس فيه على ربهم تفهم أن كلمة judgmental ليست إلا قشرة لمشكلة قديمة سبقنا إليها ديننا بقرون حين أمرنا أن نزن الناس بميزان العدل والرحمة لا بميزان الهوى والقسوة فإذا استطعت أن تقوم نفسك فافعل ولكن لا شأن لك بالآخرين.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا