الفراغ الدستوري في حالات الطوارئ المناخية
الفراغ الدستوري في حالات الطوارئ المناخية
بقلم الدكتور:احمد صفوت السنباطي بمحكمة النقض
نحو إعداد نصوص دستورية جديدة لمواجهة الكوارث البيئية في مصر
يشهد العالم في العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في شدة وتكرار الكوارث البيئية الناتجة عن التغيرات المناخية من فيضانات وحرائق وارتفاع في درجات الحرارة وتلوث بيئي ونقص في الموارد المائية وهو ما فرض على الدول إعادة النظر في بنيتها التشريعية والدستورية لمواجهة هذه التحولات الوجودية التي تهدد حياة الإنسان وسلامة النظم البيئية .
وقد باتت هذه الظواهر تمثل طوارئ من نوع جديد تختلف عن الحالات الكلاسيكية للطوارئ الأمنية أو الصحية وتتطلب استعدادًا قانونيًا ودستوريًا خاصًا .
وفي هذا السياق تبرز في الحالة المصرية إشكالية الفراغ الدستوري فيما يتعلق بحالات الطوارئ المناخية إذ أن الدستور المصري وإن كان قد تطرق إلى بعض المسائل البيئية بشكل عام فإنه لم يتضمن نصوصًا صريحة تتعلق بإعلان أو إدارة حالات الطوارئ البيئية أو المناخية وهو ما يفتح المجال أمام تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة النظام الدستوري الحالي على التعامل مع التحديات البيئية المستجدة واتخاذ التدابير الاستثنائية في مواجهتها دون الخروج عن إطار المشروعية وسيادة القانون .
ويقتصر الدستور المصري في مادته 154 على تنظيم حالة الطوارئ التقليدية حيث يجوز لرئيس الجمهورية بعد أخذ رأي مجلس الوزراء وموافقة مجلس النواب أن يعلن حالة الطوارئ لمدة محددة عند تعرض البلاد لخطر يهدد الأمن أو النظام العام وهي صياغة تفتح مجالًا واسعًا للتأويل لكنها تظل في جوهرها موجهة لمواجهة التهديدات الأمنية أو السياسية ولا تتضمن إشارة واضحة إلى الكوارث المناخية كسبب مستقل يبرر اتخاذ إجراءات طوارئ دستورية كما أن الإعلان عن حالة الطوارئ وفقًا للصيغة الحالية قد لا يكون كافيًا أو مناسبًا من الناحية الفنية لمعالجة الأزمات المناخية التي تتسم غالبًا بالطابع المتدرج والانتشاري والارتباط بالظروف الجغرافية والبيئية المعقدة .
ومن ثم فإن الاستجابة لها تحتاج إلى أدوات قانونية وإدارية مرنة وفعالة لا توفرها النصوص الدستورية الحالية وتزداد خطورة هذا الفراغ الدستوري في ظل توقعات متزايدة بتأثر مصر خلال العقود المقبلة بعدد من الظواهر البيئية مثل ارتفاع مستوى سطح البحر في دلتا النيل وزيادة موجات الحرارة وتراجع الموارد المائية وكلها أمور تتطلب وجود منظومة دستورية قادرة على تمكين الدولة من اتخاذ إجراءات استثنائية سريعة ومتناسقة دون الإخلال بحقوق الإنسان أو مبدأ المشروعية .
ولذا فإن من الضروري التفكير في إدراج نص دستوري خاص بحالات الطوارئ البيئية ينص على أنه في حال وقوع أو توقع كارثة بيئية أو مناخية جسيمة يحق للدولة اتخاذ تدابير استثنائية محددة لحماية الأرواح والممتلكات والموارد الطبيعية على أن تكون هذه الإجراءات خاضعة للرقابة البرلمانية والقضائية ومحددة بمدة زمنية ومعايير موضوعية لضمان عدم إساءة استخدامها كما يمكن أن ينص الدستور على التزام الدولة بوضع خطة وطنية لمواجهة الطوارئ البيئية وتحديث التشريعات ذات الصلة وفقًا لأحدث المعايير الدولية وبما يحقق التوازن بين متطلبات الاستجابة السريعة وبين ضمان الحقوق والحريات الأساسية إن إعداد نصوص دستورية لمواجهة الكوارث البيئية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره ترفًا تشريعيًا بل هو ضرورة استراتيجية في ظل التحولات المناخية التي لم تعد تطرق الأبواب بل أصبحت واقعًا يفرض نفسه على الجميع ويؤثر على الأمن القومي والاقتصاد والصحة العامة والحياة اليومية للمواطن المصري ومن ثم فإن سد هذا الفراغ الدستوري يمثل خطوة جوهرية نحو بناء نظام قانوني مستدام قادر على حماية الحاضر وضمان مستقبل آمن للأجيال القادمة
التعليقات الأخيرة