حب حتى الفناء
حب حتى الفناء
بقلم القاص الدكتور إبراهيم أبوعيسي
في أحد أحياء الإسكندرية، عاش محمود، كهربائي بسيط لا يملك من الدنيا سوى قلبه. قلبه الذي صار أسيرًا لامرأة واحدة. أحبها بجنون، أحبها حتى ظن أن الدنيا كلها قد خُلقت من أجلها. وحين وافقت على الزواج به، شعر أنه امتلك السماء.
كان يعود كل ليلة مُرهقًا من عمله، يداه متشققتان من الأسلاك، وملابسه متسخة بالزيت. ومع ذلك، لا ينسى أن يضع في جيبه خاتمًا صغيرًا أو قطعة شوكولاتة، يمدها إليها بعينين لامعتين كطفل يبحث عن الرضا. يهمس:
– "دي ليكي يا روحي… عشان تفضلي مبتسمة."
لكن الابتسامة لم تعرف طريقها إلى وجهها. كانت عيناها لا ترى سوى الذهب والمال. كلما قدّم لها هدية، قابلته ببرود:
– "هو ده اللي فضلت تشتغل عشانه؟ أنا عايزة مصاغ زي صاحباتي… مش لعب عيال."
كان يحني رأسه في خجل، ويقول في نفسه: *"بكرة أجيب لها أحسن."*
أنجب منها أربعة أطفال، لكن قسوتها لم تلن. كانت تضربهم وتصرخ في وجوههم، حتى أن محمود كان يقف بينهم وبينها كدرع ضعيف. يبتسم وهو يبكي في داخله، يهمس في أذنهم:
– "استحملوا يا حبايبي… أمكم عصبية."
ذات مساء، عاد محمود متعبًا، جسده يئن من ساعات العمل. دخل بيته وهو يتمنى أن يجد حضنًا دافئًا أو كلمة حانية، فإذا بها تستقبله بالصراخ:
– "أنا زهقت منك، عايزة أطلق! كرهتك!"
اقترب منها راجيًا:
– "إزاي تقولي كده؟ أنا من غيرك بموت… لو سبتيـني هموت."
نظرت إليه بازدراء، ثم صاحت:
– "إنت مش راجل!"
سقط على ركبتيه، يقبّل قدميها والدموع تخنق صوته:
– "أرجوك، إوعي تسيبيني… إنتي حياتي."
فإذا بها ترفع حذاءها وتضربه على وجهه. حاول أن يمسك يديها المرتجفتين بالغضب، لكنه لم يحتمل. في لحظة غضب مشوبة بحبٍّ مريض، قبض على عنقها وهو يصرخ:
– "لا تسيبيني… لااااا!"
لكنها صمتت، وابتلعها الموت.
جلس بجانب جسدها المرتخي ساعات طويلة، يبكي، يلوم نفسه، ويقبل يديها الباردتين. ثم هرع إلى أمها كطفل تائه:
– "يا خالتي… قتلتها! مش قصدي… كنت بحبها!"
أجابته الأم بقسوة لم يتوقعها:
– "هتسلّم نفسك يعني؟ يعدموك؟ والعيال يتيتموا؟ لا… دارِي الجثة."
كانت تلك القسوة أقسى من موتها. عاد إلى البيت، وغسله الجنون. أحضر برميلًا، وضع جسدها فيه بملابسها ومصاغها، وغطاها بالملح والأسمنت. رفع البرميل إلى السطح، وجلس بجانبه.
منذ تلك الليلة، صار السطح محرابه، والبرميل قبر حبيبته ومعبده. في عيد ميلادها، يصعد إليها ويشعل شمعة صغيرة، يقول لها:
– "كل سنة وإنتي حبيبتي."
في ذكرى زواجهما، يرش الطلاء على البرميل كأنه يضع لها زينة جديدة، ويهمس:
– "لسه بحبك… وهفضل أحبك."
خمس سنوات كاملة، ظل وفيًّا لبرميله. حتى جاء المطر، وفاحت رائحة الموت. تدخل الجيران، ثم الشرطة، ثم المحكمة. وحين سمع القاضي حكايته، رقّ قلبه، وحوّل الحكم إلى "ضرب أفضى إلى موت".
خرج بعد سنوات قليلة، لكنه لم يخرج يومًا من أسرها. رفض أن يتزوج، وعلّق صورتها على جدار غرفته، كل ليلة يحدّثها بصوتٍ متهدج:
– "وحشتيني… أحبك… حتى الفناء."
القاص
د.ابراهيم ابوالمجد
التعليقات الأخيرة