وكذلك وقد أحطنا بما لدية خبرا
وكذلك وقد أحطنا بما لدية خبرا
بقلم / محمـــد الدكـــروري
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد ذكرت المصادر الإسلامية الكثير عن الملك العادل ذي القرنين، وإن كانت معرفة شخصه لا تزيد القرآن الكريم بيانا، بل العبرة في خبره ثابتة ولو لم يعلم جنسه وقبيله، والذي يعنينا أن نتدبر في قصته، ونستخلص منها الدروس والعبر في الدعوة والإصلاح والقيادة والإدارة والسياسة والقضاء، ثم إن السؤال ليس عن شخص الملك العادل ذي القرنين وإنما عن حياته وجهاده وأمجاده، فليس من صالح القصة حصرها في شخص بعينه لأن تشخيص حادثة القصة يضعف من تأثيرها، ويصبغها بصبغة شخصية لا تتعدى إلى الغير فنرى من يقول بأنها مسألة شخصية لا تتكرر، إذن لو جاء العلم في ذاته سنقول هذه الحادثة أو هذا العمل خاص بهذا الشخص.
والحق سبحانه وتعالى يريد أن يضرب لنا مثلا يعم أي شخص، وماذا سيكون مسلكه وتصرفه إن مكن الله تعالي له ومنحه الله عز وجل قوة وسلطة؟ ولو حدد القرآن الكريم هذه الشخصية لقلنا إنه حدث فردي لا يتعدى هذا الشخص، وتنصرف النفس عن الأسوة به، وتفقد القصة مغزاها وتأثيرها، ولو كان في تعيينه فائدة لعيّنه الله تعالي لنا، والحق سبحانه وتعالى أتى بهذه القصة غير مشخصة لتكون نموذجا وأسوة يحتذي بها كل أحد، وإلا لو شخصت لإرتبطت بهذا الشخص دون غيره، أما حينما تكلم الحق سبحانه عن السيدة مريم العذراء عليها السلام، فنراه يحددها بإسمها، بل وإسم أبيها ذلك لأن ما سيحدث للسيدة مريم مسألة خاصة بها، ولن تحدث بعدها أبدا في بنات آدم، لذلك عيّنها وشخّصها لأن التشخيص ضروري في مثل هذا الموقف.
أما حين يترك المثل أو القصة دون تشخيص، فهذا يعني أنها صالحة لأن تتكرر في أي زمان أو في أي مكان، كما رأينا في قصة أهل الكهف، وكيف أن الحق سبحانه أبهمهم أسماء، وأبهمهم مكانا وأبهمهم زمانا، وأبهمهم عددا، ليكونوا أسوة وقدوة للفتيان المؤمنين في أي زمان، وفي أي مكان، وبأي عدد، وإن المتأمل في سيرة ذي القرنين ليجد أنها مليئة بالفوائد العقدية التي يجب أن يسير عليها المسلم في حياته اليومية وسنذكر بعضا من هذه الفوائد، فالفائدة الأولى وهي أن الله تعالى مطلع على كل شيء، حيث قال تعالى " وكذلك وقد أحطنا بما لدية خبرا " وهنا نقف لنتساءل عن الحكمة التي من ذكر حقيقة إحاطة الله بأخبار ذي القرنين وجيشه، وعلمه بها أثناء حديثه عن فتوحاته، وإن الحكمة التي قد تبدو لنا هي أن منهج القرآن الكريم قد ربط كل ما يحدث في الكون بإرادة الله.
ومشيئته وعلمه سبحانه، حتى لا ينسى الناس هذه الحقيقة وهم يتابعون الأحداث، وحتى لا يظنوا أن الناس يتحركون بها بقدراتهم الذاتية، بمعزل عن علم الله وإذنه سبحانه، فها هو ذو القرنين قام بفتوحات عظيمة، في الجبهة الغربية، ثم في الجبهة الشرقية، وقام بإنجازات عظيمة في الجبهة الشمالية، لكن الله تعالي مطلع على أعماله، محيط بأخباره، عالم بإنجازاته، وهو مقدر لها ومريد لها سبحانه، واما عن الفائدة الثانية وهي أن من شكر النعمة هو إرجاعها لمنعمها، حيث قال الله تعالي " قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا " وقال السعدي فلما فعل هذا الفعل الجميل والأثر الجليل، أضاف النعمة إلى موليها وقال " هذا رحمة من ربي " أي من فضله وإحسانه عليّ، وهذه حال الخلفاء الصالحين، إذا من الله عليهم بالنعم الجليلة.
إزداد شكرهم وإقرارهم، وإعترافهم بنعمة الله كما قال نبي الله سليمان عليه السلام، لما حضر عنده عرش ملكة سبأ مع البعد العظيم، قال " هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر " بخلاف أهل التجبر والتكبر والعلو في الأرض فإن النعم الكبار، تزيدهم أشرا وبطرا، كما قال قارون لما آتاه الله من الكنوز، ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة قال " إنما أوتيته علي علم عندي " وقالها ذو القرنين "هذا رحمه من ربي" وانظر إلى عباد الله الصالحين، كيف لا يسندون ما يعملونه إلى أنفسهم، ولكنهم يسندونه إلى الله وإلى فضله، ولقد وقف ذو القرنين أمام هذا العمل العظيم، مظهرا الشكر لله تعالى والعجز أمام قدرته عز وجل، شأن الحكام الصادقين في إيمانهم، الشاكرين لخالقهم توفيقه إياهم لكل خير، وقد وقف ليقول بكل تواضع وخضوع لخالقه "هذا رحمة من ربي " أي هذا الذي فعلته من بناء السد وغيره، أثر من آثار رحمة ربي التي وسعت كل شيء.
التعليقات الأخيرة