news-details
مقالات

إستعمار ذي القرنين بلاد ما بين السدين

إستعمار ذي القرنين بلاد ما بين السدين


بقلم / محمـــد الدكـــروري 
الحمد لله الذي خلق الإنسان من سلاله وركب بلطف حكمته مفاصله وأوصاله ورباه في مهاد لطفه ثلاثين شهرا حمله وفصاله وزينه بالعقل والحلم وأزال عنه ظلماء الجهاله، فسبحان من إختارهم لنفسه ونعمهم بأنسه وأجزل لهم نواله، ويسّر له مولاه سبيل السعادة وحقق آماله وأجزل نصيبه من التوفيق وقبل أعماله، وأشهد إن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو علي كل شيء قدير أما بعد ذكرت المصادر الإسلامية الكثير عن الملك العادل ذي القرنين، وكان الاستعمار الثالث لذي القربين هو بين السدين، حيث استعمر ذو القرنين في رحلته الثالثة بلاد ما بين السدين، ووجد هنالك أناسا يتكلمون لغتهم الخاصة ولا يفهمون لغة غيرهم، ولكن ذا القرنين بما آتاه الله من علم وحكمة إستطاع أن يفهمهم، وعلم أنهم مظلومون، ومن يظلمهم هم قوم ينتظرون خلف الجبال. 



حتى يأتي موسم الحصاد فيهجمون عليهم ويأخذون جميع ما زرعوا، فيقتلون ويحرقون ثم يرحلون، وهذا ديدنهم في كل عام، حتى أجهدوا القوم، فرأى الضعفاء في ذي القرنين الملاذ الآمن، والفرج المنتظر، فعرضوا على ذي القرنين المال مقابل أن يخلصهم من ظلم يأجوج ومأجوج، وهنا تظهر شخصية ذي القرنين الرجل المؤمن الصالح الذي اختاره الله من بين عباده وأكرمه غاية الإكرام بكل ما يحتاجه وتشتهيه نفسه، فلم يتكبّر ولم يتجبّر ولم يطمع في سفاسف الدنيا، بل بقي همّه الأكبر هو إسعاد الناس وإزالة المشقة من حياتهم، فعمل لهم ذو القرنين ما أرادوا، ولكن بأيديهم ليعلمهم كيف يعملون، وكيف يمكن أن يتخلصوا من الظلم، ثم كان يضع اللمسات الأخيرة بيديه ليكمل لهم العمل على أتم وجه، فكان السد معجزة في البناء والإتقان.




ونحن هنا لسنا بصدد معرفة كيفية بناء السد ومواده وطبقاته وغير ذلك، لكن ما يهمنا هنا هو أن نتعلم من ذي القرنين أن من آتاه الله القوة الجسدية والعسكرية والعلم والحكمة والحكم والمال، يجب أن يكون هذا ديدنه فيبحث في البلدان عن المظلومين والفقراء والمعدمين ليكون لهم عونا، وأن يدبر لهم أمور حياتهم ويعلمهم كيف يعيشون، وأن يأخذ حق المظلوم من الظالم، ثم يغادرهم إلى غيرهم، وكما قيل قديما بدل أن يصطاد لهم سمكه يعلمهم كيف يصطادونها، وهذا ما فعله ذو القرنين معهم، ولقد كان الإستعمار الثاني والمحطة الثانية للملك العادل ذي القرنين هي عند مطلع الشمس، حيث قال تعالي " حتي إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع علي قوم لم نجعل لهم من دونها سترا كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا " والحديث القرآني عن هذه المرحلة جاء مقتضبا وتلميحا فقط. 




وبالرغم من كل ما قيل ونقل من أحاديث وحكايات، وأحيانا خرافات، فإن كل ما ذكر لا يتعدى كونه تخمينات وإجتهادات، فالحقيقة القرآنية هي أنهم قوم لم يجعل الله لهم من دون الشمس سترا، فهل كان إنعدام الستر لإنعدام الملابس أو الأشجار أو البناء أو الجبال؟ هذا ما لا يمكن الجزم به، أما ما يمكن الجزم به هو أن هؤلاء القوم كانوا يتأذون بالشمس، وأن ذا القرنين أعانهم في ذلك، وفك كربتهم وهذا يُعلم قياسا على عمله في المرحلة الأولى والأخيرة، أما حقيقة عمله وكيفيته فهذا ما لا يعلمه إلا الله، ولو كثرت فيه الأقاويل، لأن الله تعالى قد نسب علم ذلك إلى نفسه بقوله تعالى " كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا " أي إن علمه محيط به، ولا ينفذ منه إلى أحد من العالمين، فلا داعي أن نستعين بالخرافات والأساطير لأنها لا تهمنا، وما يهمنا هو أن الإستعمار يكون بمساعدة كل محتاج. 




وقضاء حاجته له دون أجر أو منة عليه، فالأعمال لله ومن أجل رضاه، فهذا مثل فيه عبرة للدول القوية التي يجب عليها المحافظة على الشعوب الضعيفة، والإبقاء على ثرواتها دون أخذ شيء منها، منعا من الإسهام في إضعافها، وأخذا بيدها نحو الأفضل، وإغاثتها وإنقاذها من التخلف والضياع، فإن ذا القرنين ملك الدنيا أبى أن يأخذ شيئا من أموال أولئك الأقوام، بالرغم من بناء السد الحصين.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا