news-details
مقالات

أعطاه الله أسباب السيطرة والسطوة على البلدان

أعطاه الله أسباب السيطرة والسطوة على البلدان

 
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله الذي يمن على من يشاء بالأولاد ويجعلهم فتنة يتبين بها الشاكر الذي يقوم بحقهم ويصونهم عن الفساد والمهمل الذي يضيعهم ويتهاون بمسئوليتهم، فيكونون عليه نقمة وحسرة في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، أما بعد ذكرت المصادر الإسلامية الكثير عن الملك العادل ذي القرنين، ولقد جمع ذو القرنين إلى جانب العلم النافع والخبرة الدقيقة والمهارة الفائقة والإمكانات الهائلة، التواضع الرفيع والإيمان العميق والنفس الراضية العفيفة والأيادي السخية النظيفة والأريحية والشهامة، فهو لم يستغل حاجتهم في تجريدهم من الممتلكات والثروات، كما تفعله في عصرنا الحاضر الأمم الغالبة المتحضرة مع الشعوب المقهورة النامية من نهب ثرواتهم وحصد خيراتهم وجني ثمارهم، والتآمر على بقائهم تحت وطأة الجهل ونير الإستبداد، وما فعل ذو القرنين كما تفعل تلك الدول. 




التي ترهق الشعوب الفقيرة بالديون المركبة، تطوق بها أعناقهم وتلهب بها ظهورهم، وتنتزع ولاءهم وخنوعهم وترغم أنوفهم، فالقائد عليه التعفف عن أموال رعيته، والزهد في أخذ أجرة، في مقابلة عمل يأتيه، ما أغناه الله عنه، ففي ذلك حفظ كرامته وزيادة الشغف بمحبته، وكما كان للملك العادل ذو القرنين وقفه مع المنهج القرآني في إستعمار البلدان، والإستعمار هو مصطلح عربي فصيح يستخدم للبناء والإعمار والنهوض ومعنى الإستعمار في الآية القرآنية هو طلب العمارة، أما الإستخدام المعاصر له فهو يعني إحتلال الدول القوية للدول الضعيفة، وقتل أهلها وتشريد من لم يُقتل منهم، وتدمير بلادهم وسرقة خيراتهم وإبقاءهم تحت طائلة الذل والفقر والمرض، وعرقلة نهوضهم علميا وأدبيا وطبيا وغير ذلك، وحين تمعن النظر قصة ذي القرنين، فتبدأُ القصة بالتساؤل عنه. 




وسرعان ما يأتي الجواب الرباني ببيان شأنه، أي إنه بلغة زماننا أعطاه الله أسباب السيطرة والسطوة على البلدان وإستعمارها، فهل إستعمرها كما تستعمر البلدان الآن؟ ولننظر في الآيات الجليلات بغية العثور على جواب لهذا السؤال، فالإستعمار في قصة ذي القرنين على ثلاث مراحل، في كل مرحلة منها دروس مختلفة وإستعمار من نوع فريد، فالإستعمار الأول كان حين توجه نحو مغرب الشمس، أي نحو أقصى نقطة في الأرض من الممكن أن يصلها، فبلغها ووجد أن الشمس تغرب في منطقة طينية يخال للناظر كأن الشمس تدخل عينا حمئة فتغيب، وهذه المنطقة مما سبق أن إستولى عليها الظلمة، فألهم الله ذا القرنين بأنه مخوّل في تصرفه، إما أن يعذبهم، وإما أن يعفو عنهم، فصدر الحكم من المستعمر العادل، وهكذا نجد أريج العدالة وعبيرها يفوحان من كلماته. 



فهو مستعمر حقيقي، يريد أن ينشر العدل في البلد المظلوم، ويزيح الظلمة، ويعطي كل ذي حق حقه، وماذا بعد ذلك؟ هل يبقى ذو القرنين حاكما في هذه البلاد التي حررها من العبودية والطغيان، يحكمهم بنفسه، ويتمتع بخيراتهم؟ كلا، لم يفعل ذلك، بل تركهم يحكمون أنفسهم بأنفسهم بعد أن بيّن لهم أسس العدالة في الحكم من غير أن يمد يده إلى ثرواتهم وخيراتهم، ومن ثم شد الرحال بما آتاه الله من أسباب القوة والمنعة والعلم وحب الإستكشاف للدنيا، وبرفقته قوة عسكرية ذات عدة وعُدد، فإستمر بالمسير ينشر الخير حيثما حلّ، حتى بلغ مطلع الشمس، بارك الله ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلت ما قلت، إن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفّارا.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا