فقه عوام أهل فارس
فقه عوام أهل فارس
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل أبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، ثم أما بعد لقد كان الحق والعدل الذي جاء به الإسلام هو ما يتمناه عامة الفرس فلما جاءهم أقبلوا عليه إقبال الشغوف المحب، ومصداق ذلك ما رواه الطبري عن أبي عثمان النهدي، قال لما جاء المغيرة إلى القنطرة فعبرها إلى أهل فارس حبسوه واستأذنوا رستم في إجازته، ولم يغيروا شيئا من شارتهم تقوية لتهاونهم فأقبل المغيرة بن شعبة والقوم في زيهم عليهم التيجان.
والثياب المنسوجة بالذهب، وبسطهم على غلوة لا يصل إلى صاحبهم حتى يمشي عليهم غلوة، وأقبل المغيرة وله أربع ضفائر يمشي حتى جلس معه على سريره ووسادته فوثبوا عليه فترتروه وأنزلوه ومغثوه فقال كانت تبلغنا عنكم الأحلام ولا أرى قوما أسفه منكم إنا معشر العرب سواء لا يستعبد بعضنا بعضا إلا أن يكون محاربا لصاحبه فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض، وأن هذا الأمر لا يستقيم فيكم فلا نصنعه، ولم آتكم ولكن دعوتموني اليوم علمت أن أمركم مضمحل، وأنكم مغلوبون، وأن ملكا لا يقوم على هذه السيرة، ولا على هذه العقول فقالت السّفلة صدق والله العربي، وقالت الدهاقين والله لقد رمى بكلام لا يزال عبيدنا ينزعون إليه، قاتل الله أوّلينا ما كان أحمقهم حين كانوا يصغرون أمر هذه الأمة"
ولقد فقه عوام أهل فارس من كلام المغيرة رضي الله عنه أن دين الإسلام هو دين المساواة بين البشر، ومن ثم أقبلوا عليه، في حين شعر الدهاقين وهم رؤساء الفلاحين بالقلق لأنهم يدركون شوق الرعية إلى هذه المساواة، وإننا لا نحتاج إلى إكراه في الدين، ولا نسعى إلى إرغام على عقيدة، فضلا عن أننا مأمورون بالإمتناع عنهما، حيث قال تعالى " لا إكراه في الدين قد تبين الر شدمن الغي " ولقد تبيّن لشعب فارس الرشد من الغي، لقد رأوا الحق وميّزوا بينه وبين الباطل بوضوح، واختار جل الشعب طريق الفطرة التي زرعها الله تعالى في سويداء قلوب عباده حيث قال تعالي " فطرت الله التي فطر الناس عليها " وأسلم غالب شعب فارس، ولم يستمر في الإنكار والتكذيب والمقاومة إلا رءوس الكفر وأئمة الضلال، وإن السواد الأعظم من الناس يكفيه أن تعرض له حقيقة الإسلام.
وأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم وشمائله الكريمة ناصعة دون تجميل إن كان هناك إمكانية للتجميل ليندفع نحو الإسلام مهرولا عن يقين صادق، من هنا نفهم ما ذكره ربنا تبارك وتعالى في كتابه محددا بوضوح وظيفة الأنبياء، حيث يقول تعالي " فهل علي الرسل إلا البلاغ المبين " ومن هنا كان تقصير المسلمين في تبليغ دعوة الإسلام هو المنفذ الذي ينفذ منه أئمة الكفر والفساد والغواية ليعرضوا الإسلام على الناس حسب أهوائهم، ليضلوهم، ويلبسوا عليهم دينهم، وإن قيادة الناس للهداية مسئولية جسيمة أمام الله تعالى، والمتكاسل عنها على خطر عظيم لأنه يدفع الناس دفعا إلى البحث عمن يقودهم ويأخذ بأيديهم، ولو كان جاهلا، هذا وصلوا وسلموا على خير البرية، وأزكى البشرية محمد بن عبد الله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين.
وصحابته الغر الميامين، وارض اللهم عن الأئمة المهديين، والخلفاء المرضيين أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر صحابة نبيك أجمعين، ومن سار على نهجهم واتبع سنتهم يا رب العالمين.
التعليقات الأخيرة