news-details
مقالات

الإنهاك النفسي واستراتيجيات استعادة التوازن في العصر الحديث

الإنهاك النفسي واستراتيجيات استعادة التوازن في العصر الحديث


في السنوات الأخيرة، برز الإنهاك النفسي كأحد أبرز التحديات العالمية في مجال الصحة النفسية، في ظل تسارع وتيرة الحياة المعاصرة، وتزايد المنافسة المهنية، وتعقّد الأدوار الاجتماعية والإنسانية. أصبح العقل البشري أكثر عرضة للاستنزاف من أي وقت مضى، ليس فقط بفعل العمل المكثف، بل بسبب الضغوط المستمرة دون فترات كافية من التعافي الذهني والعاطفي.

يختلف الإنهاك النفسي عن الإرهاق العابر، فهو عملية تراكمية تبدأ بصمت وتنتهي بفقدان الحافز، واضطراب النوم، وتشتت التركيز، والشعور الدائم بالإجهاد حتى في غياب مجهود بدني واضح. كما يؤدي مع مرور الوقت إلى تراجع الإنتاجية، وانخفاض مستوى الإبداع، وصعوبة اتخاذ القرار، وقد يصاحبه في مراحل متقدمة مظاهر من القلق أو الاكتئاب.

تشير الأبحاث الحديثة في علم النفس الإيجابي وعلم النفس التنظيمي إلى أن الإنهاك النفسي لا يمس الأفراد فحسب، بل يؤثر أيضًا على كفاءة المؤسسات والمجتمعات. لذا أصبح تعزيز الصحة النفسية ضرورة استراتيجية لضمان الاستدامة في الأداء المهني والتطور الإنساني.

وللتعامل مع هذه الظاهرة، لا بد من تبنّي نهج علمي متكامل يجمع بين الوعي الذاتي والدعم المؤسسي.
تبدأ أولى مراحل التعافي بـ الاعتراف، لأن إدراك الفرد لمعاناته لا يعني ضعفًا، بل وعيًا ومسؤولية تجاه ذاته.

ومن أهم الاستراتيجيات الفعّالة لاستعادة التوازن النفسي:

1. المراقبة الذاتية للمشاعر: فهم الأسباب العميقة للإرهاق بدلًا من تجاهلها أو كبتها.

2. التنفيس النفسي المنتظم: سواء عبر الكتابة، أو الحوار العلاجي، أو الدعم الاجتماعي الآمن.

3. إعادة الاتصال بالذات: من خلال التأمل، والممارسات الروحية، والأنشطة التي تُعيد الإحساس بالمعنى والهدف.

4. إعادة ضبط البيئة المحيطة: عبر تقليل مصادر التوتر والعلاقات السامة وأماكن العمل غير الداعمة.

5. اتباع نمط حياة متوازن: يجمع بين النشاط البدني، والنوم الكافي، والتغذية السليمة.

وعلى الصعيد المؤسسي، من الضروري أن تتبنّى المؤسسات برامج دعم ورفاه نفسي تراعي البعد الإنساني للعاملين، فبيئة العمل الصحية نفسيًا هي الركيزة الأساسية للإنتاج والإبداع والاستقرار المهني.

إن التوازن النفسي لا يعني غياب الضغوط، بل القدرة على إدارتها دون أن نفقد أنفسنا في خضمها.
المستقبل الحقيقي هو لمن يدرك أن العقل البشري هو المورد الأثمن والأكثر احتياجًا للرعاية المستمرة.

✳️ بقلم:  رضا علي عطية
استشاري الصحة النفسية والإرشاد النفسي
خبير التحالف العربي لخبراء العلاج النفسي
مدرب مهارات حياتية
اخصائي علم النفس الإيجابي
لايف كوتش علاقات

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا