news-details
مقالات

حين تتنفس الروح بعد الغياب

حين تتنفس الروح بعد الغياب


بقلم/نشأت البسيوني 

كأنك كنت تحت الماء طويلا تسبح في عمق الصمت ثم فجأة تصل إلى السطح فتملأ صدرك بالحياة من جديد

حين تتنفس الروح بعد الغياب لا يكون الأمر مجرد عودة إلى الوجود
بل هو ولادة جديدة أشبه بخروج زهرة من قلب صخرة ظن الجميع أنها ميتة
تلك اللحظة التي تشعر فيها أنك عدت تبصر الألوان وتسمع أصوات الحياة بعد أن كانت ضجيجا بلا معنى
هي لحظة شفاء خفية لا يراها أحد لكنها تبدل كل ما فيك

الغياب ليس فقط أن تفقد أحدا
بل أن تفقد نفسك بين ثنايا الأيام أن تصحو فلا تعرف من أنت
أن تمشي على الأرض بقلب خامد كجمرة خبت منذ زمن
وحين تتنفس الروح بعد الغياب تدرك كم كنت ميتا وأنت تتحرك
كم كنت تجامل الحياة كي لا تراك منطفئا
وكم مرة ضحكت كي لا يفضحك وجعك أمام الناس

الروح لا تعود فجأة إنها تعود على مراحل
كمن يتعلم المشي بعد إصابة طويلة
تتعثر أولا تتردد تخاف أن تحب أن تثق أن تحلم من جديد
لكن شيئا صغيرا فيك يصر على الحياة
يهمس لك لقد نجوت فجرب أن تعيش لا أن تتظاهر فقط
وحين تستمع لتلك الهمسة تبدأ أول أنفاس العودة

حين تتنفس الروح بعد الغياب تشعر أن الأشياء البسيطة صارت أثمن
أن فنجان القهوة الصباحي له نكهة لم تكن تعرفها
أن ضحكة طفل في الطريق كأنها موسيقى من الجنة
أن النسمة التي تمر على وجهك تشبه عناقا من الله يقول عدت بخير
كل شيء في الحياة يبدو جديدا كأنك تراها لأول مرة
وكأن غيابك الطويل كان تمهيدا كي تقدر الحضور

الغياب علمك أن لا شيء مضمون
وأن القلوب تتبدل والأيام تغير ما ظننته ثابتا
لكن حين عادت روحك عادت أقوى
أكثر نضجا أقل خوفا من الفقد
صرت لا تركض وراء أحد ولا تنتظر شيئا من أحد
اكتفيت بالله وبسلامك الداخلي الذي ولد من رحم العاصفة

حين تتنفس الروح بعد الغياب لا تكره من كان سبب غيابك
ولا تلعن الأيام التي أوجعتك
بل تنظر إليها بعين أخرى عين ترى الحكمة بعد الدمار
تفهم أن كل ما فقدته كان ضرورة لتجد نفسك
وأن كل وجع مر بك كان يدفعك خطوة نحو هذا النضج الهادئ
فالوجع لا يقتل بل ينضج
والغياب لا يمحى بل يعيد ترتيبك كي تعود بشكل أجمل

الروح حين تعود تعود محملة بالسكينة
تعرف حدودها وتختار صمتها بوعي
لم تعد تشرح نفسها لأحد ولم تعد تلهث لإثبات قيمتها
لقد فهمت أن من يعرفك حقا لا يحتاج إلى تبرير
وأن من أرادك يوما لن يتركك تذوب في الغياب
لذا تتنفس بهدوء كما من وجد أخيرا طريقه بعد التيه الطويل

وحين تتنفس الروح بعد الغياب لا يعود العالم كما كان
لكنه يصبح أكثر صدقا
أقل زيفا
وأقرب إلى القلب
تسير بخطى ثابتة تتأمل الوجوه وتقول في نفسك
كم تغيرت وكم كنت بحاجة لهذا الغياب كي أعود إلى ذاتي

وفي النهاية حين ترفع رأسك نحو السماء
وتتنفس أول أنفاس النور بعد رحلة الغياب
تشكر الله في صمت خاشع
على أنه لم يتركك تضيع
بل سمح لك أن تتوه كي تجد ذاتك
وأن تكسر كي تعاد صياغتك
وأن تغيب كي تعود
نقيا كما خلقت أول مرة

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا