حين يتعب النور من الحضور
حين يتعب النور من الحضور
بقلم/نشأت البسيوني
حتى النور يا صديقي يتعب من كثرة الإشراق
ويحتاج أن يختفي قليلا ليعود أنقى وأصدق وأهدأ
في كل قلب مضيء زاوية باهتة
وفي كل من يبتسم ألف وجع مؤجل
الضوء ليس دائما علامة حياة
أحيانا هو قناع يخفي خلفه احتراقا صامتا
نظن أن النور لا يعرف التعب
لكن الحقيقة أن أكثر القلوب إشراقا
هي التي تبكي بصمت حين ينام الجميع
تطفئ نفسها قليلا لتلتقط أنفاسها من لهاث الأيام
حين يتعب النور من الحضور
يبدأ الصمت في الحديث
تصبح الكلمات ثقيلة
والابتسامات باهتة كزهور ذبلت من كثرة العطاء
تجلس أمام مرآتك لا لتصلح ملامحك
بل لتحاول فهمك
من أنت حين يتوقف الضوء
هل ما زلت أنت أم أنك صرت صورة تبتسم كي لا تسأل ما بك
يا لهذا النور كم هو شجاع
يضيء للآخرين ويخفي عنهم احتراقه
كشمعة تذوب لتضيء من حولها
ولا أحد يدرك كم تحترق لتبدو جميلة
تسرف في العطاء حتى ترهق
تبتسم حتى تتآكل من الداخل
وتظل واقفا كأنك جبل
بينما في داخلك طفل صغير يرتجف من البرد
حين يتعب النور من الحضور
يصبح الغياب راحة
والعزلة ملاذا
تختبئ من كل شيء
من الضوضاء من الناس من نفسك حتى
تغلق هاتفك وتطفئ الأضواء
وتجلس في زاوية هادئة لا تطلب فيها شيئا سوى الصمت
ليس هروبا بل شفاء
فمن قال إن الصمت ضعف
الصمت أحيانا اعتذار من القلب إلى نفسه
بعد أن أرهقها كثيرا في محاولة إنقاذ الجميع
النور الحقيقي لا يسطع دائما
بل يعرف متى يخفت كي لا يحرق من حوله
يعرف أن البريق الزائد يتعب العين
وأن الصدق المفرط يتعب القلب
لهذا يتوارى قليلا
يترك المساحة للعتمة كي تعيد ترتيب الأشياء
ويعود بعد ذلك أكثر نقاء
كشمس خرجت من الغيم بعد طول انتظار
حين يتعب النور من الحضور
يكتشف أن السكون ليس فراغا
بل وطنا مؤقتا للروح
وأن التراجع لا يعني الهزيمة
بل يعني أنك تمهل نفسك قليلا لتلتقط ما تبقى منها
تدرك أن الله لا يريدك مضيئا دائما
بل صادقا
فالنور الذي لا يهدأ يحترق
أما الذي يعرف متى يختفي فيبقى خالدا
وفي لحظة من الصفاء
حين تغلق كل النوافذ
وتنطفئ كل الأصوات
تشعر أن في داخلك ضوءا صغيرا لا يموت
ضوء لا يحتاج للظهور أمام أحد
ولا يبحث عن التصفيق
هو فقط لك
ينبض بسلام لا يعرفه العالم
حين يتعب النور من الحضور
يتعلم أن العطاء بلا حدود ينهك
وأن أجمل ما يمكن أن تهديه لنفسك
هو أن تتركها ترتاح من محاولات الإبهار
أن تحب نفسك دون أن تشرحها
أن تبتسم دون أن تبررها
أن تكون بسيطا في عالم يقدس الضجيج
وفي النهاية
حين يعود النور بعد غيابه
يعود مختلفا
هادئا ناضجا لا يسعى لأن يبهر
بل لأن يطمئن
فقد تعلم أن الحضور لا يقاس بالسطوع
بل بالصدق
وأن أجمل ضوء في هذا العالم
هو ذلك الذي لا يرى بالعين
بل يحس في القلب
التعليقات الأخيرة